بدت إيران استثناء من السياسة السورية المنفتحة على توطيد علاقاتها مع الدول الإقليمية والعالمية، فرغم مرور أكثر من سنة ونصف على سقوط نظام الأسد، سجلت خلالها الحكومة السورية نجاحات دبلوماسية ملحوظة، بقيت طهران بعيدة عن الانفتاح السوري.
وترجع أسباب الجفاء بين الطرفين إلى الموقف الإيراني الداعم لنظام الأسد خلال 14 عامًا من الثورة أوغل خلالها الأسد بدماء السوريين، وكانت طهران من أبرز مسانديه.
احتمالية عودة العلاقات بين الجانبين عادت إلى الواجهة بعد تصريح أدلى به وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في 21 من آب الحالي، ردًا على سؤال أحد الصحفيين خلال زيارته الأخيرة إلى باكستان، تاركًا الباب مفتوحًا أمام تأويلات مختلفة بعد إبداء قبوله باستعادة علاقة مشروطة باعتراف الأخيرة بما فعلته في سوريا خلال السنوات الماضية.
التصريح السوري الذي بدا كمن يمسك العصا من المنتصف، يطرح أسئلة متعددة حول أهدافه وأسبابه، واستفسارات عن أهمية العلاقة للجانبين والمكاسب المنتظرة في حال عودتها وأبرز العوائق التي قد تقف عائقًا أمامها، بالإضافة إلى الطرف الأكثر استفادة من استرجاع التواصل المقطوع منذ سقوط نظام الأسد وتشكل الحكومة السورية الجديدة.
الباب مفتوح.. بشروط
قال الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، في حديث إلى عنب بلدي، إن تصريح وزير الخارجية السوري الذي أبقى الباب مفتوحًا أمام إعادة العلاقات السورية- الإيرانية، رغم وقوف طهران إلى جانب نظام الأسد خلال سنوات الثورة السورية، يعود إلى أن السياسة الخارجية لا تُبنى عادة على المشاعر وحدها، وإنما على المصالح وحسابات القوة والجغرافيا.
وأضاف اليمني أن إيران تعد دولة جارة لسوريا بالمعنى الجيوسياسي، حتى وإن لم تكن لها حدود مباشرة معها، فهي موجودة في العراق ومرتبطة بلبنان، ولها نفوذ تاريخي في المنطقة، الأمر الذي يجعل دمشق لا تستطيع ببساطة تجاهلها وكأنها دولة بعيدة عن المشهد السوري.
وأشار إلى أن إغلاق الباب نهائيًا أمام إيران قد يدفع العلاقة إلى مرحلة الصراع المفتوح بدلًا من تحويلها إلى علاقة سياسية يمكن ضبطها، الأمر الذي دفع الشيباني إلى تبني سياسة تقوم على إبقاء الباب مفتوحًا ولكن بشروط سورية جديدة تقوم على أساس الندية، وليس على أساس المحاور والميليشيات والشبكات العابرة للحدود.
من جهته، يعتقد الكاتب الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي أن سياسة الباب المفتوح التي اعتمدها الشيباني في احتمالية عودة العلاقات مع إيران، تعود إلى أن دمشق تهدف إلى عدم قطع العلاقات بشكل كامل مع محيطها الجغرافي.
وقال إن الأسباب التي تدفع الحكومة السورية إلى ذلك، هو استمرار العلاقات مفتوحة بين بعض القوى الحليفة لدمشق مثل السعودية وتركيا وباكستان مع طهران، الأمر الذي يؤكد أهمية تصفير المشكلات مع دول الإقليم بالنسبة لدمشق.
ثلاثة أبعاد للشرط السوري
يعتقد الباحث السياسي فراس علاوي، أن اشتراط دمشق اعتراف إيران بما فعلتها بسوريا خلال السنوات الماضية لإعادة العلاقات، يعود إلى الأثر الذي تركته الأعمال الإيرانية في سوريا خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى صعوبة استعادة العلاقات وإغفال النقمة من المجتمع السوري على طهران، منوهًا إلى أن اعتراف إيران بأفعالها، قد يمهد الى استعادة العلاقات بشكل أو بآخر، ولو لم تكن العودة في المستقبل القريب.
الباحث محمد اليمني يرى أن ربط الشيباني إعادة العلاقات باعتراف إيران بما فعلته بالسوريين خلال سنوات الثورة، يحمل ثلاثة أبعاد، موضحًا أن البعد الأول وهو السياسي، يركز على أن القيادة السورية الجديدة تريد أن تثبت للرأي العام السوري أنها لم تدخل في صفقة تتجاوز السنوات الماضية من دون حساب.
وأشار إلى أن أي عودة سريعة للعلاقات من دون مراجعة الماضي قد تُفسَّر داخليًا على أنها تنازل سياسي من دمشق، لذلك فإن مطالبة طهران بالاعتراف ليست بالضرورة مطالبة باعتذار رمزي فقط، وإنما محاولة لوضع مرجعية سياسية جديدة للعلاقة.
أما البعد الثاني الذي يركز على السيادة، فأوضح الباحث اليمني أن القضية الأساسية بالنسبة إلى دمشق ليست فقط أن إيران كانت حليفة للأسد، بل ارتباط نموذج العلاقات الذي نشأ خلال الحرب بوجود نفوذ أمني وعسكري وشبكات مسلحة مرتبطة بالمحور الإيراني.
وبيّن أن دمشق تريد إرسال رسالة مفادها أن الدولة السورية الجديدة لن تقبل أن تكون أراضيها منصة لصراعات الآخرين، وهو ما يتجاوز إيران نفسها، مشيرًا إلى أنه مبدأ تريد دمشق تثبيته مع جميع القوى الإقليمية.
وفيما يتعلق بالبعد الثالث التفاوضي، فأشار اليمني إلى أن الشيباني لا يفاوض إيران من موقع طالب للعلاقة، وإنما يحاول نقل الكرة إلى ملعب طهران، مضيفًا أن وزير الخارجية السوري بهذا الأسلوب يحول السؤال من متى ستعود العلاقات السورية الإيرانية، إلى ما الذي تستطيع إيران تقديمه لكي تعود العلاقات، وبرأيه فإن الفرق بينهما يمثل تغييرًا كبيرًا في ميزان التفاوض.
احتمالية تلبية طهران للشرط السوري
لم يستبعد الباحث فراس علاوي أن تلبي طهران الشرط السوري لكن ليس الآن، مبينًا أن طهران تحتاج في الوقت الراهن إلى إعادة صياغة علاقاتها مع الإقليم بشكل كامل وخاصة في ظل انشغالها بالصراع مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يرجح احتمالية تلبية الشرط السوري بعد الخروج من الصراع وتوقيع اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
بينما يعتقد الباحث محمد اليمني أن إعادة العلاقات السورية- الإيرانية تبدو ممكنة على المستوى النظري، لكنها تواجه تعقيدات كبيرة عمليًا، مشيرًا إلى أن طهران تستطيع أن تقدم اعترافًا سياسيًا بصيغة دبلوماسية مخففة، مثل الاعتراف بأن سياساتها خلال الحرب أدت إلى تداعيات سلبية على سوريا، أو التعبير عن الاستعداد لفتح صفحة جديدة واحترام سيادة الدولة السورية.
وأوضح اليمني أن الاعتراف الكامل بالمسؤولية عن الدور الإيراني السابق قد يحمل تكلفة سياسية كبيرة على طهران، كونها بنت لسنوات روايتها الخاصة بشأن وجودها في سوريا، وقدمت تدخلها باعتباره استجابة لطلب الحكومة السورية السابقة ومحاربة التنظيمات المسلحة والإرهاب وحماية حلفائها ومصالحها.
ومن ثم فإن الاعتراف الصريح بأن هذا الدور كان خاطئًا أو تسبب في أضرار كبيرة للسوريين، يعني عمليًا مراجعة جزء مهم من الرواية الإيرانية التي استمرت أكثر من عقد، وهنا تظهر العقبة الأساسية التي تجعل المسألة أحد أصعب الملفات في أي مفاوضات مستقبلية، بحسب الباحث اليمني.
مكاسب الطرفين من استعادة العلاقات
يرى الباحث محمد اليمني أن سوريا تملك مكاسب محتملة عديدة في حال إعادة العلاقات مع طهران، تتمثل في تخفيف خطر تحول العلاقة إلى صراع طويل، لأن سوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى الهدوء، ولا تستطيع تحمل فتح جبهات سياسية وأمنية جديدة مع قوة إقليمية مثل إيران.
كما أن العلاقات الطبيعية مع إيران، وفق الباحث اليمني، يمكن أن تفتح المجال أمام ملفات اقتصادية وتجارية، خصوصًا أن إعادة بناء سوريا تحتاج إلى علاقات واسعة مع أكبر عدد ممكن من الدول.
وأضاف اليمني أن دمشق تستطيع من خلال العلاقة الرسمية أن تفرض قواعد واضحة على أي نشاط إيراني داخل الأراضي السورية، فالعلاقة الدبلوماسية الرسمية قد تكون بالنسبة إلى دمشق أكثر فائدة من ترك العلاقة في حالة عداء كامل، لأن وجود قناة سياسية مباشرة يسمح بالتفاوض حول الملفات الأمنية والحدود والتجارة والوجود الإيراني وأي ملفات أخرى.
وأوضح اليمني في سلسلة المكاسب السورية من العلاقة مع إيران، أن دمشق تستطيع أن تستخدم الانفتاح على إيران كجزء من سياسة توازن إقليمي، خاصة أنها لا تريد أن تكون تابعة لطهران، لكنها أيضًا لا تريد بالضرورة أن تصبح تابعة لأي محور آخر، فالدولة التي تمتلك علاقات مع أطراف متعددة تكون عادة أكثر قدرة على المناورة السياسية.
وفيما يتعلق بالمكاسب الإيرانية، أشار اليمني إلى أنها تتجاوز مجرد إعادة فتح سفارة أو استئناف العلاقات الدبلوماسية، فسوريا بالنسبة إلى طهران كانت لسنوات جزءًا مهمًا من منظومة نفوذ إقليمية ممتدة من إيران عبر العراق إلى سوريا ولبنان، وبالتالي فإن استعادة العلاقات يمنح إيران فرصة لاستعادة جزء من حضورها السياسي، حتى لو لم تستعد نفوذها القديم.
الباحث فراس علاوي يعتقد أن المكاسب على المستوى القريب والمتوسط، تتمثل في أن إعادة العلاقة مع طهران وفق ضوابط محددة، يسهم في الاستقرار السوري بصفة إيران دولة مركزية في المنطقة، كما أنها تملك قوة اقتصادية ولها أثر في الساحة السوية لا يمكن إلغاؤه بشكل كامل.
كما أن المكاسب الإيرانية تتمحور، بحسب الباحث علاوي، في إطار إقامة علاقات جديدة تقوم على سياسة مختلفة عن أهداف إيران التوسعية في المنطقة من خلال تصفير عداءاتها في المنطقة، وبناء علاقات جديدة تقوم على أساس الاحترام المتبادل، وإلغاء الصورة القديمة عن إيران على مستوى الإقليم المتمثلة في سياستها التوسعية.
إيران الأكثر حاجة
يرى الباحث محمد اليمني أن إيران تبدو من الناحية الاستراتيجية أكثر حاجة إلى استعادة علاقة مستقرة مع سوريا من حاجة دمشق إلى استعادة العلاقة القديمة مع طهران، مرجعًا السبب إلى أن سوريا تمتلك بدائل إقليمية ودولية متعددة، فدمشق تستطيع تطوير علاقاتها مع تركيا ودول الخليج والدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها، بينما تواجه إيران مشكلة أكبر في فقدان موقعها السابق داخل سوريا.
وأوضح اليمني أن إيران خسرت بعد سقوط الأسد أحد أهم مواقعها الاستراتيجية في المنطقة، لذلك فإن عودة العلاقات، حتى لو كانت محدودة، تمنحها منفذًا سياسيًا إلى سوريا.
أما دمشق فيمكنها القول إنها تريد علاقات جيدة مع إيران، لكنها ليست مضطرة إلى العودة إلى التحالف السابق، وهو ما يمنحها مساحة تفاوضية أكبر، بحسب الباحث اليمني، الذي رجح أن تبدأ العلاقات في حال عودتها بخطوات صغيرة، من خلال إعادة قنوات الاتصال، ثم اتصالات دبلوماسية، ثم بحث الملفات القنصلية والاقتصادية، ثم إعادة العلاقات الرسمية تدريجيًا، قبل الانتقال إلى مجالات أخرى تشمل التجارة والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار، مشيرًا إلى أن الملفات الأمنية والعسكرية، ستكون الأكثر حساسية.
واتفق الباحث فراس علاوي مع الباحث اليمني على أن إيران تحتاج إلى سوريا أكثر، لأنها شبه معزولة وتعاني من عداء أطراف عدة في الإقليم ولو كان عداءً سياسيًا ودبلوماسيًا، الأمر الذي يدفع طهران إلى محاولة تخفيف أعدائها في المنطقة.
وربط علاوي عودة العلاقات بإنهاء حالة الحرب الإيرانية- الأمريكية لإعادة الاستقرار على مستوى كل الإقليم وليس على مستوى علاقة دمشق بطهران فحسب.


