الشرع إلى برلين.. إعادة تموضع سوري في قلب أوروبا
تكتسب زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى العاصمة الألمانية برلين، المقررة يوم الاثنين 30 من آذار، أهمية استثنائية، بوصفها أول زيارة رسمية للشرع إلى ألمانيا منذ توليه السلطة عقب سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
ولا تنفصل هذه الزيارة عن تحولات أوسع تشهدها العلاقة بين دمشق والعواصم الأوروبية، بعد سنوات من القطيعة السياسية والعزلة الدبلوماسية.
برلين.. محطة مفصلية في مسار الانفتاح
تأتي الزيارة بدعوة رسمية من المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي سيستقبل الشرع في مقر المستشارية، في لقاء يُتوقع أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة من العلاقات الثنائية.
ويبدأ برنامج الزيارة بلقاء مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، في قصر “بيلفيو”، قبل الانتقال إلى محادثات موسعة مع الحكومة الألمانية، تتوج بمؤتمر صحفي مشترك.
وبين هذين اللقاءين، يحضر الشرع طاولة مستديرة اقتصادية تجمع مسؤولين من وزارتي الاقتصاد والتعاون الاقتصادي والتنمية، إلى جانب ممثلين عن شركات ألمانية كبرى، لبحث فرص الاستثمار وإعادة الإعمار.
أبعاد اقتصادية.. معركة إعادة الإعمار
تدرك دمشق أن بوابة برلين ليست سياسية فقط، بل اقتصادية بالدرجة الأولى، فألمانيا، بوصفها أكبر اقتصاد أوروبي، تمثل مدخلًا رئيسيًا لأي عملية تمويل واسعة لإعادة إعمار سوريا.
الطاولة الاقتصادية المرتقبة لا تقتصر على نقاشات نظرية، بل يُتوقع أن تشمل:
- استكشاف فرص الاستثمار في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، والنقل.
- إعادة تأهيل المدن المدمرة ومشاريع الإسكان
- دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتعزيز التعافي المحلي
- فتح قنوات تمويل أوروبية عبر مؤسسات تنموية
ويأتي ذلك في ظل إدراك أوروبي بأن كلفة إعادة الإعمار، التي تُقدّر بمئات المليارات، لا يمكن تحملها دون انخراط دولي واسع.
ملف اللاجئين.. نقطة التقاء أم خلاف؟
يشكّل ملف اللاجئين السوريين أحد أكثر القضايا حساسية في الزيارة.
ففي ألمانيا وحدها، يعيش نحو 940 ألف سوري، ما يجعل هذا الملف في صلب النقاشات السياسية الداخلية الألمانية.
من جهة برلين، هناك توجه متزايد نحو:
- تسريع عودة اللاجئين خاصة أصحاب السوابق والمرفوضة طلباتهم بشكل “آمن وطوعي”.
- ربط العودة بتحسن الأوضاع المعيشية والأمنية في سوريا.
- تقليل الضغط على النظام الاجتماعي الألماني.
في المقابل، تسعى دمشق إلى:
- الحصول على دعم مالي لإعادة دمج العائدين
- ضمان عدم ربط العودة بشروط سياسية معقدة
وبين هذين المسارين، تبقى مسألة “الضمانات” محور التفاوض الأبرز.
سياق أوروبي.. من العزلة إلى الانخراط الحذر
لا تمثل برلين حالة منفصلة، بل جزءًا من تحول أوسع في المزاج الأوروبي تجاه سوريا.
فمنذ عام 2025، بدأت عدة مؤشرات على هذا التحول، أبرزها:
- إعادة افتتاح السفارات، ومنها السفارة الألمانية في دمشق
- زيارات دبلوماسية متكررة، بينها زيارة بوهان فاديفول وزير الخارجية الألماني .
- نقاشات أوروبية حول دور محتمل في إعادة الإعمار.
ويأتي هذا التحول مدفوعًا بعدة عوامل، القلق من موجات لجوء جديدة، والرغبة في تحقيق استقرار إقليمي، والمصالح الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار.
لكن هذا الانفتاح لا يزال “حذرًا”، ويخضع لتوازنات دقيقة بين المصالح والقيم السياسية.
أمن مشدد.. ورسائل داخلية
بالتوازي مع زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، تستعد السلطات الألمانية لتنفيذ واحدة من أكبر العمليات الأمنية المرتبطة بزيارة سياسية في برلين خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر واضح على حساسية الحدث وتعقيداته.
وبحسب ما أوردته صحيفة “برلينر مورجن بوست”، ستُفرض إجراءات أمنية مشددة على مدار يومي الأحد والاثنين، تشمل إقامة حواجز طرق في عدد من الشوارع الرئيسية، إلى جانب نشر قناصة في مواقع محددة، واستخدام كلاب مدربة على كشف المتفجرات، ضمن خطة تهدف إلى تأمين تحركات الوفد الرسمي ومنع أي تهديد محتمل.
كما تخطط الشرطة لنشر مئات العناصر، بينهم وحدات مكافحة الشغب، على طول الطرق المتوقع أن يسلكها موكب الشرع، إضافة إلى نقاط التجمع المحتملة، في ظل ترقب خروج مظاهرات أو تحركات احتجاجية مرتبطة بالزيارة.
وتأتي هذه الإجراءات الأمنية المشددة في ظل تصاعد الانتقادات للزيارة، إذ انتقدت الجالية الكردية في ألمانيا زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين، معتبرة أنها تتجاهل مخاوف الأقليات.
ويعكس هذا الرفض، إلى جانب مواقف معارضة أخرى داخل الجاليات، أسباب الاستنفار الأمني الواسع، في ظل توقعات بخروج احتجاجات وتجمعات على خلفية الزيارة.
زيارة مؤجلة.. وظروف ميدانية
كانت الزيارة مقررة في كانون الثاني الماضي، لكنها أُجلت بطلب سوري، تزامنًا مع توترات عسكرية في شمال شرقي سوريا، خاصة في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد”.
ويعكس هذا التأجيل مدى ارتباط التحركات الدبلوماسية بالتطورات الميدانية داخل سوريا، حيث لا تزال الاستقرار الكامل بعيد المنال.
بعد برلين.. نحو لندن
زيارة برلين ليست نهاية المسار، بل تبدو بداية لجولة أوروبية أوسع لدمشق. ومن المتوقع أن يتوجه الرئيس السوري أحمد الشرع لاحقًا إلى العاصمة البريطانية لندن، في أول زيارة رسمية له منذ إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وتشير صحيفة “The National” إلى أن الزيارة ستتزامن مع إعلان بريطانيا عن برنامج تمويل للصادرات البريطانية إلى سوريا، في محاولة لتعزيز الشراكات الاقتصادية والمساهمة في عملية إعادة الإعمار في سوريا .




