تيار الشعوبية الذي بدأ يظهر في أواخر العهد الأموي، وبرز بقوة في بدايات العصر العباسي، خاصة مع تعاظم السلطة العسكرية التي تقلدها أبو مسلم الخراساني، وشكل في ذاته نموذجا لإحياء الأطماع الفارسية تحت عباءة الإسلام، وهو ذات الرجل الذي ذهب ضحية طموحه، وخيالاته المفرطة، إلا أنه ترك وراءه جماعات تستلهم تلك اللحظة، وتريد استعادة المجد الضائع، حيث رأت فيه جماعات من الفرس أنه خليفة زرادشت، أو المنقذ الذي حل فيه جزء إلهي، وكلها فرق تحركها دوافع عنصرية، وطائفية، وقومية، غايتها هدم العماد الذي قام عليه الإسلام، العرب والعربية.
سعت الشعوبية الفارسية منذ صدر الإسلام بكل ما تستطيع إلى تشويه إرث الجزيرة العربية، والتشكيك في تاريخ العرب وأصولهم، وضرب جذورهم التاريخية والثقافية، ومهاجمة الأنساب العربية القديمة، والحط من شأن قبائل العرب. بل بلغ بهم الأمر أن وضعوا مؤلفات في الإساءة إلى قبيلة النبي عليه الصلاة والسلام (قبيلة قريش).
ومنهم الهيثم بن عدي الذي ألف كتابا مشينا ينتقص فيه سيدات قريش، وسهل بن هارون، وعلان الوراق الشعوبي الفارسي، الذي وضع كتاب "الميدان في المثالب" وكتابا في مثالب قريش. كما تبجح الجيهاني الشعوبي واصفا العرب بأنهم: "يأكلون الجرابيع والضباب والجرذان والحيات".
فلم يتركوا للعرب مزية أو مكرمة أو خصوصية إلا وقابلوها بالمعارضة والطعن أو بالتحريف والنقض، "فهاجموا لغة العرب وأدبهم نثرا وشعرا وخطابة وعروضا وحكما وأمثالا، وألفوا كتب المثالب فعمدوا إلى ما صدر عن كل قبيلة من بيت تعير به أو عمل تؤاخذ عليه أو جريمة حصلت فيها فقيدوها وأذاعوها، بل طالت يدهم إلى القرآن وتفسيره لصرف الآيات عن معانيها، كما امتدت أيديهم إلى الحديث الشريف فوضعوا الأحاديث الكثيرة في فضل الفرس وأسندوها إلى الثقات من الصحابة والتابعين".
بطبيعة الحال لم يكن هذا هو التيار الغالب على الفرس، بل كان لكثير منهم دور بالغ في خدمة الإسلام، واللغة العربية، بل والدفاع عن العرب، ومن أشهرهم ابن قتيبة الدينوري وهو فارسي الأصل، حيث ألف كتابا بعنوان "فضل العرب والتنبيه على علومها"، فند ادعاءات الشعوبية بنقاشات عقلية ونقلية، مؤكدا أن تفضيل العرب ليس عصبية عرقية، بل هو "اصطفاء إلهي" مرتبط بحمل الرسالة الخاتمة. وذهب ابن قتيبة إلى أن الذين اعتنقوا الشعوبية هم سفلة الناس وغوغاؤهم، فيقول: "ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة، ولا أشد نصبا للعرب من السفلة، والحشوة، وأوباش النبط، وأبناء أكرة القرى. فأما أشراف العجم، وذوو الأخطار منهم، وأهل الديانة، فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف نسبا ثابتا".





