... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
233197 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7741 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

الصحة والليبرالية الجديدة

صحة
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/21 - 14:08 502 مشاهدة

بقلم د.علي المبروك أبوقرين


حين تتحول الصحة من حق أصيل إلى سلعة تُقاس بالقدرة على الدفع، وحين تُختزل وظيفة الدولة من راع للحياة إلى مراقب للسوق، تبدأ الحكاية التي لا تُروى في التقارير الرسمية وتُكتب على أجساد الناس وأعمارهم وأحلامهم المؤجلة، فالعلاقة بين الصحة والليبرالية الجديدة ليست مجرد نقاش نظري بين مدارس اقتصادية، هي صراع عميق بين من يرى الإنسان غايةً ومن يراه فرصة وبين من يؤمن بأن العلاج مسؤولية جماعية ومن يحوله إلى معاملة فردية، وهنا تتكشف المفارقة القاسية إذ تأتي سياسات الخصخصة والتقشف وتحرير السوق تحت شعارات الكفاءة والمرونة بينما تُنتج في الواقع نظامًا صحيًا مزدوجًا منقسمًا بين قلة قادرة تنعم بخدمات عالية الجودة وأغلبيةٍ مُهمشة تُدفع نحو قطاع عام منهك يفتقد للتمويل والقدرة والكرامة، ومع كل خطوة نحو تقليص دور الدولة يتسع الفراغ الذي تملؤه الفوضى والربح السريع والأسواق الرمادية والسوداء التي لا تعترف بمعايير ولا بقيم، فتتحول الصحة إلى مجال استثماري مفتوح لا تحكمه أخلاقيات المهنة بقدر ما تضبطه حسابات العائد والطلب وفي الدول الريعية التي تقوم على النفط والغاز تتخذ هذه المعادلة بُعدًا أكثر تعقيدًا، إذ لا تنشأ الليبرالية الجديدة في سياق اقتصاد منتج متنوع بل تُفرض على بنية هشة تعتمد على ريع مركزي لا يتوزع بعدالة ولا يُستثمر في الإنسان، فتظهر أوهام التنويع عبر قطاع خاص ضعيف في جذوره، وتُهدر الموارد في مشاريع لامعة قصيرة الأجل أو في شبكات محسوبية تُعيد توزيع الثروة دون أن تبني نظامًا، وتتحول الدولة تدريجيًا إلى وسيط للإيجار لا إلى مهندسٍ للتنمية، فتتآكل المؤسسات ويُترك القطاع الصحي يتخبط بين إنفاق كبير بلا أثر حقيقي وبين غياب صارخ للتخطيط والتوزيع العادل، وهنا لا يعود السؤال كم ننفق بل كيف ننفق ولماذا لا يصل الأثر إلى الناس، وفي هذا الفراغ تتكاثر الكيانات الصحية الهشة من عيادات ومختبرات ومراكز تشخيص وصيدليات تعمل خارج إطار الضبط الحقيقي، وتُفتح كليات طبية خاصة بلا قاعدة تعليمية رصينة وبلا مستشفيات جامعية تُؤسس للتعلم السريري، فتُنتج شهادات بلا كفاءة وتُضخ كوادر بلا تأهيل في سوق يفتقد أصلاً للمعايير، فيتضاعف الخلل وتتحول المهنة من رسالة إلى نشاط تجاري يختلط فيه العلم بالادعاء أما في الدول الفقيرة فإن المشهد أشد قسوة لأن نقطة البداية نفسها متدنية، فحين يُفرض التقشف على نظام لم يكتمل أصلًا يصبح الأمر أقرب إلى نزع ما تبقى من عظام الجسد، وحين تُربط السياسات الصحية بشروط القروض الدولية تُفقد القدرة على رسم مسار وطني مستقل، فتتراجع ميزانيات الصحة إلى مستويات لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من الخدمات، ويُدفع الناس إلى الإنفاق من جيوبهم فيتحول المرض إلى سبب مباشر للفقر، وتزداد التبعية للمساعدات الخارجية التي تحمل في طياتها عدم الاستقرار، ومع كل تراجع في التمويل تتوسع الفجوة بين الاحتياج والقدرة وتظهر ظاهرة العبء المزدوج حيث تتعايش الأمراض المعدية مع المزمنة في نظام عاجز عن التعامل مع كليهما، بينما ينجذب القطاع الخاص إلى المجالات الأكثر ربحًا ويترك الوقاية والرعاية الأولية بلا سند، فتتعمق الأزمة وتصبح الصحة مرآة صادقة للفقر البنيوي لا مجرد قطاع متعثر وفي هذا السياق تبدو الحالة الليبية مثالًا صارخًا على التقاء هذه العوامل في لحظة تاريخية مضطربة، حيث تداخل الريع مع غياب الاستقرار مع انحسار دور الدولة التنظيمي، فنتجت فوضى صحية لا تُختزل في ضعف الخدمة وتمتد إلى بنية كاملة فقدت توازنها، من انتشار الأدوية المغشوشة والمزورة إلى تضخم الكيانات الصحية غير المنظمة، ومن تآكل الثقة بين المريض ومقدم الخدمة إلى بروز اقتصاد صحي خفي يستفيد من غياب الضبط أكثر مما يخدم الإنسان، وهنا لا يكون الانهيار حدثًا مفاجئًا إنما نتيجة منطقية لمسار طويل جرى فيه تفكيك الفكرة الأساسية للصحة كحق عام واستبدالها بمنطق السوق المفتوح دون حوكمة، فصار المريض يتنقل بين خيارات كثيرة في ظاهرها لكنها محدودة في جودتها وأمانها في حقيقتها، وصارت التكلفة ترتفع دون أن يرتفع معها مستوى الاطمئنان، وتحول النظام إلى مساحة ضبابية تختلط فيها النوايا الحسنة بالممارسات الضارة غير أن تشخيص الأزمة لا يكفي إن لم يُفضي إلى إعادة بناء الفكرة من جذورها، فالصحة لا تُستعاد بزيادة الإنفاق وحدها بل بإعادة تعريف دور الدولة كمُنظم وضامن لا كمنافسٍ مرتبك، وبإرساء نظام عمومي قوي يضع الرعاية الأولية والوقاية في مركزه ويجعل من العدالة في التوزيع معيارًا وليس شعارًا، وببناء منظومة تعليم طبي رصينة مرتبطة بمستشفيات جامعية وتعليمية حقيقية تُعيد الاعتبار للكفاءة قبل الشهادة، وبفرض رقابة صارمة على الدواء والغذاء والممارسة المهنية، وتُغلق أبواب السوق السوداء وتُعيد الثقة المفقودة، وبتمويل مستدام يعتمد على تعبئة محلية عادلة تُحمّل السلوكيات الضارة جزءًا من تكلفتها وتُحرر القرار الصحي من الارتهان الخارجي، وبإعلام صحي مسؤول يُعيد تشكيل الوعي العام ويجعل من الوقاية ثقافة يومية وليس حملات موسمية، وعندها فقط يمكن أن يبدأ التحول من فوضى الصحة إلى نظامها، ومن استهلاك المرض إلى صناعة العافية، ومن اقتصاد خفي يستنزف الناس إلى منظومة شفافة تحميهم، ويعود المعنى الأول للصحة ككرامة وليس كخدمة وحق وليس امتياز، وكبناءٍ جماعي وليس صفقة فردية، وحين تستعيد الدولة دورها ويستعيد المجتمع وعيه وتستعيد المهنة أخلاقياتها، لا تعود الليبرالية الجديدة قدراً محتومًا إنما خيارًا قابلًا للنقد والتصحيح، وتصبح الصحة مرة أخرى مرآة لإنسان يُراد له أن يعيش لا أن يُستهلك، وأن يُصان لا أن يُترك لقوانين سوق لا ترى فيه سوى رقم في معادلة الربح والخسارة.

The post الصحة والليبرالية الجديدة appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤