🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
952,622 مقال 401 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 3,760 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

الصحة العقليّة في زمن الإبادة: الاحتراق والتروما والتعافي في عالمٍ لا يتغيّر

صحة
حبر
2026/07/05 - 10:51 503 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

«تعبنا من كل إشي، بتمنى كل يوم أموت، نفسي أموت أرتاح… نحن تعبنا، تعبنا، تعذّبنا».

طفل غزّاوي ما زالت الإبادة مستمرة، ومع كلّ الموت والدمار، كل التعب والشك، بحثتُ مثل غيري عمّا يساعدني على فهم مشاعري ومشاعر الآخرين، لا سيما محاولة فهم تضارب التعب والخجل، اليأس والإيمان، الغضب والرث...

فلما وقع تحت نظري كتاب يناقش أهميّة الصحّة العقليّة والعناية بها في مثل هذه الظروف، ويتطرّق إلى احتراق المناضلين والمقاومين والصامدين والناشطين، إنهاكهم وهم يُهزمون ويفقدون ويخسرون ويواجهون عالمًا يرف...

هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.

«تعبنا من كل إشي، بتمنى كل يوم أموت، نفسي أموت أرتاح… نحن تعبنا، تعبنا، تعذّبنا».
طفل غزّاوي

ما زالت الإبادة مستمرة، ومع كلّ الموت والدمار، كل التعب والشك، بحثتُ مثل غيري عمّا يساعدني على فهم مشاعري ومشاعر الآخرين، لا سيما محاولة فهم تضارب التعب والخجل، اليأس والإيمان، الغضب والرثاء وغيرها من المشاعر والحالات. فلما وقع تحت نظري كتاب يناقش أهميّة الصحّة العقليّة والعناية بها في مثل هذه الظروف، ويتطرّق إلى احتراق المناضلين والمقاومين والصامدين والناشطين، إنهاكهم وهم يُهزمون ويفقدون ويخسرون ويواجهون عالمًا يرفض أن يتغيّر، شعرتُ أنني ربما وجدتُ ضالتي.

التعافي بلا تأقلم وبلا استسلام

ينظر كتاب «الاحتراق: التجربة الشعوريّة للهزيمة السياسية»[1] لهانا بروكتر في أهمية الصحة العقلية في سياقات المعاناة والقمع والحروب والإبادة والعمل النضالي، وفي ضرورة أن يعتني المناضلون والمقاومون والصامدون والناجون ببعضهم (لا بأنفسهم فرادى فقط). [2] تحدّد بروكتر إطار كتابها في النظر في تاريخ بعض النضالات والحراكات والثورات والحكومات اليساريّة والثوريّة. وفي هذا الإطار تنطلق أسئلتها من تناقض السعي نحو التعافي في عالمٍ مضادٍ للتعافي: كيف نُعالج الضرر في عالمٍ مكلومٍ يُلحُّ على أذيتنا؟

تفتتح بروكتر كتابها بالنظر في نماذج ثورية دعت إلى إنكار الذات في سبيل العمل الثوري وعانت من إرهاق الذات أيضًا. وتوضّح أن كلّ المفاهيم النفسيّة أو الروحانيّة المرتبطة بالنضال وضرورة استمراره (الصمود، الإرادة، العزيمة، الأمل، الصبر، التجلّد، التضحية، إلخ)، لا يصح إضفاء بطولية رومانسية عليها وجعلها فضائل متعالية على الواقع، الواقع ذاته الذي يصيبنا بالتعب والاحتراق والاكتئاب واليأس وقد يدفعنا مرهقين إلى الكفر بقضايانا. من هذه الزاوية لعلّنا نرى أن مشروع بروكتر ينطلق من ضرورة عمليّة غير أنها نفسيّة أو جوانيّة. الصمود في المعركة والنجاة عبر المراحل التاريخيّة المتلاحقة تلزمه الرعاية والعلاج والتعافي، ذلك أن هذا الصمود والنجاة شكل من أشكال نذر النفس للعمل الثوري. ولكن كيف نحافظ على الأمل في عالمٍ يُغرقنا باليأس؟ كيف نتعافى من جراح عالمٍ مجروحٍ يداوم على جرحنا؟

وتقترح الكاتبة بعض الإجابات المفاهيمية على هذه الأسئلة،[3] من بينها مفهوم التعافي المضاد للتأقلم أو التعافي المقاوم (anti-adaptive healing)، والذي «ينظر في المجهود المتناقض في السعي إلى شفاء الجراح النفسية في واقعٍ اجتماعيٍّ مجروح وجارح (دون ترسيخ هياكله في أثناء ذلك)، وفوق ذلك ينظر في الاعتراف بالضرر النفسي الذي قد يلحق بنا بسبب الكفاح في سبيل تغيير الواقع الاجتماعي (وجعله أقل تجريحًا من الناحية النفسيّة)». يسير التعافي المقاوم في مسارين متوازيين: التعافي (معالجة النفس من جراحها)، والمقاومة (مقاومة التأقلم مع الوضع القائم والنضال في سبيل تغييره). يرسّخ مفهوم التعافي المقاوِم هدف النضال بالإصرار على محاربة النظام حتّى عند معالجة جراحه، فيؤكّد ضرورة الحذر من السقوط في مغبّة التأقلم.

يكافح الإنسان لتغيير الواقع، وهذا يعني أننا يجب ألا ننسى أن الإنسان يكافح في سبيل الإنسان، وأن الكفاح هو للتغيير لا التأقلم. وبإعادة الإنسان إلى مركز معادلة الكفاح، يصير من الضروري أن نعتني به، أن نعترف بمشاعره، أن نحرص على تعافيه وراحته في سبيل الاستمرار في الكفاح. إن هذا الوعي بضرورة التعافي والراحة هو وعيٌّ بخطورة الاستنزاف، وخطورة التعب، وعيٌّ بأهمية الصحة (الجسديّة والنفسيّة) في سبيل القضية، وأن الإنسان هو مركزها.

كما هو واضح فإن بروكتر تراجع بعض مواقف الفكر النضالي اليساري، ومن أبرز مراجعاتها نظرها في إمكانية أن ينغلق الفكر النضالي عن القضايا بالتركيز على العناية بالفرد، أو أن ينساه في حربه على الوضع القائم.[4] يدعو مفهوم التعافي المقاوم إلى مكافحة النظام السياسي العالمي مع ضرورة أن تكون معالجة الأفراد رافضةً للتأقلم مع الوضع القائم، وهذا يعني بطبيعة الحال الوعي بالترابط بين التجربة الشخصيّة ومسبباتها الاجتماعيّة والسياسيّة، والنظر في اتجاهين دون فقدان الهدف، وتوسعة الرؤية واستمرار الكفاح. إلا أن لفصل الفرد عن السياسة والواقع جانبًا أكثر انتشارًا وأشد وطأةً يتمثل في إصرار النظام العالمي الرأسمالي الاستغلالي على نزع السياسة عن واقعنا ومشاكلنا، وحجبها وراء هياكل تقيد السياسة والأخلاق والتاريخ والحقيقة، هياكل تزعم الحياد والعلميّة والموضوعيّة، ومن الخفاء تفرض علينا التأقلم. ولعلّ مناقشة بروكتر لظاهرتيْ الاحتراق والتروما تمنحنا نموذجين بارزين يبرهنان على خباثة نزع السياسة وتغلغلها في حجب الحقائق التاريخيّة وإكراهنا على التأقلم دون مساءلة الواقع.

هل سِيَّانِ تعب الوظيفة وتعب الإبادة؟

يسعى النظام العالمي على الدوام إلى نزع السياسة عن حياتنا، سواءً كان ذلك بدعم أجندات سياسية تُلغي التاريخ والعدالة والحقوق وتروّج مباشرةً للتصالح مع الوضع القائم والتأقلم معه بوصفه أفضل الممكن الذي يستحيل العثور على بدائل له، أم كان ذلك بنهج غير مباشر يزعم حيادًا علميًّا يتجاهل الواقع السياسيّ والبُعد الأخلاقي. هذا السعي الحثيث لنزع السياسة عن الواقع يمكننا رصده في تاريخ مفهوم الاحتراق النفسي، الذي تأخذه بروكتر عنوانًا رئيسيًّا لكتابها. فماذا يعني الاحتراق؟

يرتبط الاحتراق النفسي (أو الاستنزاف، أو الإنهاك burnout) بالعمل المفرط. وتتضح طبيعته الوظيفيّة عندما نبحث عن ترجمة عربيّة للمصطلح: تترجمه أكثر النتائج إلى «الاحتراق الوظيفي»، أو تستخدم «الاحتراق النفسي» وتربطه بأدوار وظيفية (عند أساتذة الجامعة والمعلمين والأطباء والمعالجين، إلخ) أو تربطه بعوامل وظيفيّة (بسبب ضغوط العمل، بسبب نقص الرضا الوظيفي). فما علاقة ضغط الدوام بالنضال السياسي؟ وما علاقة نقص الرضا الوظيفي بالإبادة في غزة؟

تسرد بروكتر تاريخ مصطلح الاحتراق في كتابها. فقبل أن يلتصق الاحتراق بالإرهاق الوظيفي كان المحلل النفسي هربرت ج. فرويدنبرغر قد صكّ المصطلح لوصف إرهاق النشطاء السياسيين والمناضلين لا العاملين بأجر أو موظفي الشركات. وُلد المصطلح من عمل فرويدنبرغر متطوعًا في المصحات المجانيّة التي تساعد الفقراء، وفي مراكز دعم المرأة والمثليين، والملاجئ المتنوعة، أي أنّ المصطلح نشأ لرصد ومعالجة ما تلخصه بروكتر بأنه «ظاهرة الإرهاق والتشاؤم المتسلل وسط الأشخاص الذين يبذلون وقتهم في خدمة مشاريع تهدف إلى تغيير المجتمع». اقترب فرويدنبرغر في عمله المبكّر من مفهوم التعافي المقاوم، فقد شدّد على أهمية ربط العلاج النفسي والصحة العقلية بالتغيير الاجتماعي (لا يكفي العلاج النفسي دون معالجة مشاكل المجتمع مثل التمييز العرقي والجندري، ومشاكل الرأسمالية مثل نقص الخدمات الصحية وأزمة الإسكان). إذًا نشأ المصطلح وسط ساحات النشاط السياسي-الاجتماعي، وليس من العمل المفرط وراء المكاتب. لم يكن نقص الرضا مرتبطًا بالإنجاز المهني أو فقدان الشغف الوظيفي، بل بعقبات تغيير العالم. فمع نقص الرضا بالعمل النضالي وفقدان شغف التغيير كان يُنظر أيضًا في مشاعر الخيبة والغضب والحزن والرثاء عند من يناضلون في سبيل تغيير عالمٍ لا يتغير.

ولكن بعد مسيرة فرويدنبرغر النضالية المبكّرة، شيئًا فشيئًا تحوّل مساره من الاشتباك السياسي إلى السعي الوظيفي المؤسساتي، إذ انتقل من العمل التطوعي في المصحّات والملاجئ إلى العمل في مناصب جامعية واستشارية للشركات والمؤسسات، وأخذ معه أفكاره التي تحوّلت من الاشتباك بالواقع الاجتماعي القمعي الرافض للتغيير وأثره على المناضلين والناشطين، إلى التحليل النفسي الفرداني الذي يرد مشاكل أولئك المناضلين إلى نقص المثال الأبوي والعقد الأوديبية! يمثّل تحوّل فرويدنبرغر نموذجًا لنزع السياسة والأخلاق والعدالة عن مشاكلنا، والانزلاق نحو الفردانية الرأسماليّة الليبراليّة[5] التي تغرقنا في تطوير الذات لمعالجة الاحتراق وتُحمِّلُنا مسؤولية علاج الجراح التي أصابنا بها العالم.[6] لقد تحوّل الاحتراق في مفهومه النفسي من اعتراف بمشاعر المناضلين وبضرورة تغيير العالم إلى تشجيع الناس على أخذ إجازات في سبيل أن يعودوا إلى وظائفهم بحيوية ونشاط! لا بد هنا من وعي بظاهرة الانزياح نحو الفردانية وحجب الأسباب الحقيقيّة لمشاكلنا. هذه الظاهرة راسخةٌ للأسف في العلاج النفسي السائد، ونستطيع أن نراها في بعض الدراسات الصادرة حديثًا والتي تركّز على الصحة العقلية في فلسطين وغزة.

صدرت سنة 2024 دراسة نظرت في معدل الاحتراق عند العاملين في القطاع الصحيّ في الضفّة والقدس،[7] وخلصت إلى أن 72% منهم يعانون من الاحتراق. وانتهت الدراسة إلى ضرورة إنقاص ساعات العمل الطويلة، وأخذ إجازات، وخلق بيئة عمل منتجة ومحفّزة، والحصول على تدريب للتأقلم مع التوتر والضغط، مع تأكيد ضرورة سعي مسؤولي القطاع الصحي والإدارات الطبية إلى وضع سياسات تضمن سلامة العاملين بالقطاع الصحي. تعترف الدراسة بالظروف الصعبة تحت الاحتلال الصهيوني، إلا إنها تتجاهل الواقع الفلسطيني بسبب تقيّدها بالمعايير العلميّة (الغربيّة) المستقرة حول الاحتراق، ما يجعل الدراسة أقرب إلى قياس الاحتراق عند مصرفيين في شركة استثماريّة في نيويورك من قياسه عند أطباء فلسطينيين تحت الاحتلال. لم تشمل هذه الدراسة أطباءً من غزة بسبب ظروف الحرب وصعوبة المشاركة في الاستبيانات، غير أن مقالةً أخرى، صدرت سنة 2025،[8] ركّزت على العاملين في القطاع الصحيّ في غزّة، واعتنت أكثر بظروفهم ورصدت معاناتهم،[9] ودعت إلى تدخل ضروري للعناية بصحتهم العقلية دون أن تتمادى مثل سابقتها إلى النصح بأخذ الإجازات أو العمل أقل من 40 ساعة في الأسبوع.

مثل هذه الدراسات مهمّة في رصد جائحة الصحّة العقليّة في فلسطين وغزة، وتسجيل انهيار البنية التحتية الصحيّة وأهمية التدخل لإصلاحها. وهي توثيق مهم لواقع مؤلم، ولكنه توثيق يقصر عن التفاعل مع الواقع أحيانًا، بل ربما ينتهي به المطاف إلى تجاهله بسبب التقيّد بما رسخ من معايير ومقاييس تقصر عن تحليل الواقع الفلسطيني والإبادة. تستخدم الدراستان السابقتان مثلًا معيار MBI لقياس الاحتراق النفسي، وهو يعد «المعيار الذهبي» في علم النفس. مشكلة هذا المعيار أنه وُضع في سياق المجتمعات الغربية التي تختلف ظروفها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة عن باقي الكوكب، وقد انتُقِدَ هذا المعيار فيما يخص قابليته للتطبيق في دول غير غربيّة وفي ظروف وثقافات مختلفة.[10] هذا التقيّد بالمعايير العلمية يؤدي أيضًا إلى تجاهل الواقع السياسيّ، بما يعنيه ذلك من تجاهل للعدالة والتقييم الأخلاقي، والنتيجة أن نرى ضيق بعض هذه الدراسات بكلمة إبادة واستخدامها كلمات معقّمة مثل «العنف السياسي» أو «الحرب» أو «النزاع»،[11] وعدم اعترافها بضرورة النظر في السياق الواقعي إلا على استحياء بتخيّر مصطلحات غامضة مثل «حساسية سياقيّة» أو «سياق ثقافي/مجتمعي» دون التطرق إلى أي تفاصيل سياسيّة أو اعتبارات أخلاقيّة.[12]

إن هذه الدراسات، على تواضع بعضها وضيق موضوعاته، ومع النقد الذي وجَّهتُهُ لها، تبقى مجهودات ضروريّة، توكّد أهمية العناية بالصحّة العقليّة وتوثّق انهيار البنية التحتيّة اللازمة لمواجهة هذه الجائحة، لكن تقيّدها بتعريفات طبيّة غربيّة (تتجاهل الواقع وتنزع عنه السياسة) تمنعها من تحليل الواقع تحليلًا سليمًا. فهل يشبه القمع الحرب؟ وهل تشبه الحرب الإبادة؟ فهل يجدي استيراد معايير من دول يختلف واقعها تمامًا لقياس أي شيء يحدث في ظروف قمعية أو حربيّة أو إباديّة؟ وهل يُجدي تعقيم هذه البحوث والمقالات من شوائب السياسة وتحيزات الأخلاق بحجّة الحياد العلمي؟ كيف لهذه الدراسات أن تفهم مشاعر الأفراد ودواخلهم وتحللها وهي تتجاهل مشاعر الفلسطينيين النابعة من إبادتهم واحتلالهم وظلمهم؟ ألا يعني حزنهم وغضبهم وخيبتهم وفقدهم شيئًا؟ وماذا عن الظروف المسببة لهذه المشاكل النفسيّة، كيف تُفهم الأسباب حين تتجاهل الدراسات سياقها السياسي الواقعي؟ الطبيبة التي فقدت أسرتها وتعيش في خيمة في غزة لن يعالج احتراقها أخذ إجازة في الصيف، المسعف الذي استشهد زملاؤه في الميدان وقُصفت المستشفى التي كان يعمل فيها ليس لديه خيار بين أن يعمل 20 أو 30 أو 40 أو 100 ساعة في الأسبوع. إن نتيجة هذا التجاهل أن يصير المجرمون المسؤولون حقًّا أشبه بكارثة طبيعيّة، كزلازل وبراكين لا تمكن محاسبتها ولا يُنظر في دوافعها (ليست لديها مصالح سياسيّة أو اقتصاديّة)، لا يمكن لومها وعلينا فقط تقبّلها بوصفها «قوى كونية قاهرة»، وهكذا تقع المسؤولية لمواجهة الواقع على عاتق الناس العالقين وسط جحيم الإبادة!

وإذا كان الاحتراق نموذجًا على هذه الاصطلاحات النفسية التي صارت تخدم النظام القائم بنزع السياسة عن ظروفنا وعزل الفرد ومسأَلَته، فإن نموذجًا أفدح يفعل ذلك على مستوى أكبر تاريخيًّا: اضطراب توتر ما بعد الصدمة/التروما – Post Traumatic Stress Disorder أو PTSD.

هل العلاج النفسي المُحَيَّدُ أخلاقيًّا… علاجٌ حقًّا؟

تناقش بروكتر في كتابها موضوع التروما، وتتطرّق إلى انتشار تشخيص PTSD بوصفه تشخيصًا منزوع السياسة، يعترف بالمؤثّرات الخارجيّة، لكنه يتجاهل الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي أنتجت التروما، حتّى لكأنه يبدو مُصمّمًا لكتم الواقع، تُوزّعه الدول الغربيّة في سياقات «مساعدات إنسانيّة» تحجب الواقع وتتجاهل البعد الأخلاقي. وقد وصف المعالج النفسي ديفد بيكر مصطلح PTSD بأنه «كوكاكولا العلاج النفسي»، وعدّه صادرة أخرى من الصادرات الغربيّة ضمن مشروع هيمنة ثقافيّة إمبرياليّة.

يمكن فهم تشخيص PTSD على أنه نموذج لتحوّل تركيز العلاج النفسي من تحليل ظروف الفرد والسياق المحيط به إلى تشخيص الأعراض ومعالجتها. وهو تحوّل سببه توجّهٌ في العلاج النفسي يزعم أن المرض النفسي كالأمراض الجسديّة، يُعَرَّفُ ويُشخَّصُ بناءً على رصد الأعراض الظاهرة، وأن البحث العلمي في نهاية المطاف سيؤكّد أن الأمراض النفسيّة أسبابها عضويّة أو بيولوجيّة كيميائيّة. هذا التركيز «التشخيصي» على الأعراض ينظر إلى الاحتراق والتروما وغيرها من المشاكل النفسيّة بوصفها أمراضًا جسديّة لا تختلف عن الزكام والصداع، لها علاجات كيميائيّة بمنأى عن الواقع وظروفه السياسيّة والاجتماعيّة. وطالما ظلّ العلاج من دون أن ينظر في الأسباب مكتفيًا فقط برصد الأعراض، فحينها لن يختلف الجندي الأمريكي المجرم عن ضحاياه في فيتنام والعراق وأفغانستان، القاتل والمقتول كلاهما مصابان بمرض PTSD، كلاهما يعاني من الأرق، ومن الكوابيس، ومن التوتر، ومن الانسحاب العاطفي. أعراضهما واحدة ولا بد أنهما متشابهان. كلاهما ضحية، كلاهما ناجٍ!

هذا التركيز التشخيصي وهيمنته على الثقافة (العامة لا العلمية فقط) تشهد به عشرات إن لم نقل مئات الأفلام الهوليووديّة عن معاناة الجنود الأمريكيين النفسيّة، ونراه هذه الأيام في الإعلامين الغربي والصهيوني، وفي تداولهما قصص الجنود الصهاينة المساكين الذين يتعذبون جراء مشاركتهم في الإبادة![13] تُسقط السياسة من المعادلة ومعها تُنتزع العدالة أيضًا وأي اعتبار للأخلاق، فحين يصيرُ مدار الأمر على الأعراض، ويُتغاضى عن النظر في ظروف الشخص وأسباب ما يشعر ويفكّر به، لن تُدان أفعال الجنديّ ولن يُحثَّ على مواجهة جرائمه، بل سيُكتفى بالقول إنه يعاني من مرض عادي، ومن أعراضه الهلوسات والأرق والتوتر، ولا يحتاج إلى التفكير في أفعاله ولا يحتاج من يعالجه أن يفكّر فيها، العلاج بضعة أدوية وتجاوز للماضي. وبالمنطق ذاته لم تعد هناك أي حاجة إلى إحساس الضحايا بالظلم، ذلك أن الظلم يعني وقوع جريمة تجب معاقبتها، وهذا يعني أن التعافي سيلزمه تحقيق العدالة.

هذه الصادرات الطبيّة المعقَّمة من السياسة والأخلاق والعدالة يرفضها كثيرون بالطبع. تذكر بروكتر بحوثًا وأعمالًا من عدّة مناطق، فلسطين وفيتنام وإندونيسيا، ولعل أبرز مثال على عمل علاجي رافض لمفهوم PTSD المعقم نجده عند مؤسسة أمريكا اللاتينيّة للصحّة العقليّة وحقوق الإنسان (ILAS)، وبعض من عملوا معها في تشيلي مثل ديفد بيكر المذكور سابقًا ومارغريتا دياز، الذين واجهوا تراث ديكتاتوريّة بينوشي الذي قتل عشرات الآلاف وأخفى الآلاف غيرهم قسريًّا.

انتقدت منظمة ILAS مفهوم PTSD نقدًا شديدًا: التوتر أو الضغط stress حالة مختلفة تمامًا عن التروما/الصدمة ولا تعبّر عن «تصدّع النفس وانهيار عالم المصابين»؛ الاضطراب disorder من نتائج الميول نحو العلاج التشخيصي الذي يُركّز على الأعراض ويحاول رد الأمراض النفسيّة إلى أسباب بيولوجيّة/كيميائيّة؛ أما كلمة «ما بعد – Post» فهي الكلمة الأسوأ في التشخيص، الكلمة التي تتجاهل استمراريّة التروما وآثارها العميقة والمتوارثة بين الأجيال. وقد دعت المنظمة إلى تبني مفاهيم مختلفة مثل «الصدمة الشديدة – extreme traumatisation» التي تشدّد على مركزيّة الحدث الصادم/التروما. لقد انتقد معالجو ILAS المعاملة العلمية المحايدة للتروما ورفضوا نزع السياق السياسي عن علاجها، ورفضوا حياد الباحثين والمعالجين جملةً وتفصيلّا. يقول بيكر ودياز في بحث بعنوان «العملية الاجتماعيّة وانتقال التروما بين الأجيال في تشيلي»:

«إذا كان الدمار الذي نواجهه غير محصور في الفرد بل اجتماعي أيضًا، فإن بحثنا ينبغي له ألا يقع خارج الواقع الذي علينا مواجهته. ولذلك لسنا باحثين محايدين نسعى إلى فهم واقع غريب علينا، بل مشاركين فاعلين في العلاج والبحث، نعمل وسط الواقع السياسي».

 وقد نادى بيكر ودياز وغيرهما من المعالجين بضرورة علاج نفسي «أخلاقي وغير محايد» يبني علاقات علاجيّة تؤسس «رابطة التزام»، فتبتعد عن الحياد التقليدي الذي يُطالَب المعالجون النفسيون بالتزامه، وتدعوهم إلى الانخراط في الواقع والعملية العلاجيّة بالتزام سياسيّ أخلاقيّ حقيقي، وإلى الاعتراف صراحةً بالمسببات السياسيّة-الاجتماعيّة للتروما.

تتناول بعض الدراسات التي ذكرتها سابقًا عن الاحتراق في غزّة مفهوم PTSD بالأسلوب المعقّم المتجاهل للواقع ذاته. لكن ثمّة دراسات ومقالات علميّة لا تتجاهل واقع الإبادة في غزّة، فتسمِّي الإبادة إبادة وتعترف بواقعها البشع، حتّى إن عرقلها تقيّدٌ بالمفاهيم الغربيّة الغالبة لتشخيص PTSD. [14] أمَّا غيرها من دراسات ومقالات فيكاد يخلو حديثها من ذكرٍ للإبادة أو العدالة والإدانة الأخلاقيّة، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل الواقع. مثال ذلك تقرير الأونروا الصادر سنة 2024 عن خدمات الرعاية بالصحة العقلية[15] الذي، على حياد لغته، ينتقد مفهوم PTSD السائد، إذ يقول صراحة إنه لا يوجد في غزة «ما بعد»: المعاناة مستمرة. من جهةٍ أخرى، فإن ثمّة توجُّهات في المجالات الطبيّة/العلميّة لا تضيق بمناقشة الواقع ومراجعة المفاهيم والمناهج العلميّة المستقرّة، إذ نجدها تناقش آثار الإبادة والاستعمار صراحة (دون أن تتعامل معها كما لو كانت زلازل أو براكين)، وتستند إلى أعمال سياسيّة وتاريخيّة لأشخاص مثل فرانز فانون ووليد الخالدي ونورمان فينكليتسن وغيرهم، بوعيٍّ بأن التروما المستمرة في غزّة لا يمكن فصلها عن التاريخ والمقاومة والعدالة، ولا يمكن فصلها عن الواقع السياسيّ.[16] 

نستطيع أن نجد عدّة نماذج لدراسات إيجابيّة في مراجعة نقديّة صدرت هذه السنة، لأستاذ علم النفس التربوي الدكتور الفلسطيني أنيس الحروب، بعنوان «قلق الموت عند الأطفال المبعدين قسريًّا في قطاع غزة»، نظرتْ في عدد من الدراسات الصادرة بين عامي 2024-2025 حول الصحة العقلية للأطفال في غزّة.[17]ينتقد أنيس الحروب اعتماد بعض الدراسات على المعايير «السريريّة» و«التشخيصيّة» في التعامل مع الصحة العقلية والتروما، ويدعو إلى ضرورة النظر في دراسات نزع الاستعماريّة أو ضد الاستعماريّة (decolonial أو anti-colonial) لمواجهة أطر التروما الغربيّة، كما يدعو إلى تناول الصحة العقلية لأطفال غزة تناولًا «يجمع بين العمل النفسي-الاجتماعي والتعليمي والأساليب العلاجيّة التي تركّز على العدالة في سبيل بناء شبكات مجتمعيّة، وأن يُعترَفَ صراحةً بالظروف السياسيّة التي شكّلت حياة الأطفال». مراجعة الحروب صريحة تمامًا في موقفها: «الوضع النفسي لأطفال غزّة لن يُفْهَمَ بتصنيفات التروما المبنية على أحداث منعزلة ومحدودة زمنيًّا».

يشير الحروب أيضًا إلى مقالات ودراسات انتقدت الأطر الغربيّة النفسيّة، مثل مقالة وجّهت نقدًا إلى رمسنة الصمود الفلسطيني بوصفه فضيلة فرديّة وفق المفاهيم النفسيّة الغربيّة، ودعت عوضًا عن ذلك إلى فهمه فهمًا جماعيًّا، معبّرًا عن عملية ثقافية-اجتماعيّة لا تُحلَّلَ بمعزل عن الظروف المادية والسياسيّة التي أنتجتها، محذرةً من الاعتماد على علاجات ونتائج «تأقلميّة» من شأنها أن تحجب العنف الممنهج الذي يولّدُ الحاجة إلى الصمود. وإلى جانب ذلك، تشير المراجعة أيضًا إلى مجموعة دراسات تستند إلى المنهجيّة ضد الاستعماريّة التي تتحدى المسلَّمات الغربيّة حول التروما وتستنكر إمكانية تطبيقها تطبيقًا مطلقًا على العالم كلّه وفي غزّة، مؤكّدةً أن التعريفات السريريّة وحدها غير قادرة على التقاط العناصر السياسية والأخلاقيّة والتاريخيّة التي تشكّل تجارب أطفال غزة، ومنتقدةً الأطر الإنسانيّة التي تصورهم ضحايا سلبيين يحتاجون إلى العلاج دون أن يكون لهم دور بوصفهم شهودًا أخلاقيين، يفسرون تجاربهم من زوايا تنظر إلى العدالة، والانتماء، والذاكرة، والمقاومة. وهو ما يذكّرنا بالمؤتمر الصحفي الذي عقده أطفال غزّة أمام مستشفى النساء في تشرين الثاني 2023: «الاحتلال يجوّعنا، ونحن منذ أيام طويلة لا نجد ماءً ولا طعامًا ولا خبزًا، ونشرب مياه ملوثة، جئنا لنصرخ كأطفال، وندعوكم لحمايتنا، أوقفوا الموت، نريد الحياة، نريد السلام، نريد محاكمة القتلة، نريد الدواء والغذاء والتعليم ونريد الحياة». تذكر المراجعة النقديّة دراسات أخرى توضّح أن الأساليب الغربيّة التي تركّز على التأقلم الفردي تُهمل المسؤولية الجماعية والمنطق الأخلاقي وأهمية استراتيجيات المواجهة المبنية على علاقات جماعية في مثل هذه الظروف.

لعل هذه المراجعة النقديّة، وبعض الدراسات التي تناولتها، أبرز تطبيق عملي لمبدأ التعافي المقاوم مرّ بي عند نظري في عدد من دراسات الصحّة العقليّة التي صدرت حول الإبادة في غزّة. إن انطواء التعافي المقاوم على ضرورة تغيير الواقع يعني ضرورة الوعي به وبحقيقته. معاملة الاحتراق مثلًا على أنه تعب عابر تقع مسؤولية معالجته على عاتق المصاب به، أو معاملة التروما بوصفها مرضًا بيولوجيًّا مجرّدًا من السياسة والاعتبارات الأخلاقيّة والمسؤولية الاجتماعيّة (أو العالمية في حالة إبادة غزة)، هي أساليب تحجب الحقيقة، وتفصل الناس عن عالمهم وتعزل بعضهم عن بعض.

لقد دفعني كتاب بروكتر إلى التفكير في الدراسات التي ستؤلّف عن أهل غزّة والمنظمات الدولية المختصة بالصحة العقلية التي ستحاول مساعدتهم. شعرتُ أن أغلب هذه المشاريع والمجهودات ستكون مفرغة هي الأخرى من السياسة والأخلاق والعدالة. لن يُقال للطفل اليتيم إن ما فعله الاحتلال الصهيوني جريمة إنسانيّة، لن يُقال للأم المكلومة إن أطفالها قتلهم الاحتلال متواطئًا مع العالم (الذي إن لم يدعم الاحتلال بالسلاح دعمه بالصمت). سيواجه غضب الفلسطينيين بنصائح «التجاوز»، وستُعامل صدمتهم على أنها «ما بعد الحدث». سيُقال لهم إن أساهم ذكرى أليمة عن فقدٍ مضى وانتهى وسيُحرمون حتّى من رثاء شهدائهم. لهذا انكببتُ فورًا بعد إتمام الكتاب على قراءة بعض بحوث الطب النفسي الصادرة حول أوضاع أهل غزة منذ 2023، نماذج تجاهلت واقع غزّة وأهلها بحيادها، ونماذج حاولت كسر ذلك الحياد.

إن إقرار كتاب بروكتر بأهمية الصحّة العقلية وضرورة الوعي بإشكاليات العلاج النفسي وأساليبه، أمر ذو أهمية بالغة في ترسيخ الوعي بحقيقة «الحياد العلمي»، بل تورّط البحث العلمي ومجهودات الإغاثة في الجريمة التي تتجاهلها، وفي الحث على تغيير المنهجيات العلاجيّة. ولذلك يجب أن يقاوم التعافي هذا التضليل المتعمّد وأن ترفض المجهودات العلاجيّة التأقلم مع الواقع، وهذا من أبرز ما يدعو إليه كتاب بروكتر: ضرورة انتزاع المفاهيم العلاجيّة وتغييرها لتعكس الواقع حقًّا. لنا هنا أن نستحضر مقولة ماركس: «لا يكفي أن يتجه الفكر نحو الواقع، بل يجب أن يتّجه الواقع صوب الفكر». يعني إصلاح الواقع بالضرورة فهمه وفهم سياقاته لكي يتفاعل الواقع مع النظرية في سبيل إنتاج حلول، ولذلك لا ينبغي لنا أن نُسقط هذه العلاجات النفسيّة والتعافي العقلي على الواقع دون أن يساهم الواقع (أو وعينا به) في تحديد هذه العلاجات.

  • الهوامش

    [1] Hannah Proctor. Burnout: The Emotional Experience of Political Defeat. Verso. London. 2024.

    [2] لا بدّ من وقفةٍ هنا مع قضية دور الدين كما يفهمه أصحاب الاعتراضات على موضوع الصحّة العقليّة، ويصادرون به أي شكوى إحباط ويأس يزفر بها المظلومون المكلومون – وهي قضية أريد التوقف عندها سريعًا بحكم أنني مسلم. إن الدين مصدرٌ من مصادر الصبر والتجلّد بدعوته إلى الثقة بالله (ﷻ) الذي يُمهل ولا يُهمل، وإلى الرضا بمصير الشهداء ﴿أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. لهذه المؤازرة الدينية دورها في مساندة أهل غزّة وغيرهم ممن ابتُلوا. وبعض الدراسات تذكر الدين وسيلةً من أهم وسائل مواجهة واقع الإبادة في غزّة. لكن هذا الدور الذي لا يُنكر يجب ألّا يؤدي إلى إهمال العناية بالصحّة العقليّة، ومعالجة ما يتعرض له أهل غزّة مثلًا. أجل، إيمانهم يقويّهم ويشجّعهم على تقبّل استشهاد أحبائهم والصبر على معاناتهم، لكن ألا يحق للعين أن تدمع والقلب أن يحزن على فراق الأهل وكلّ هذا الفقد والدمار؟ أجل ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ وفي هذا الشوق إلى الطمأنينة اعترافٌ بوحشة الظلم وحزن الفقد وخوف الابتلاء. يعترف الإسلام بضعف الإنسان ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ وبأهمية الأمن والاطمئنان ﴿فأي الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يُلبِسوا إيمانهم بظلمٍٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، وبعمق جراح الحزن والخوف ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن﴾. ويعترف بضرورة التعبير عن المشاعر، ألم تجرِ عينا الرسول (ﷺ) بالدمع لفقد ابنه وقال «إنها رحمة»، وأضاف معبرًا عن مشاعره وهو يناجي روح ابنه: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون»؟ ألم ينقل لنا القرآن لحظات ضعف الأنبياء ومشاعرهم الحميميّة؟ ﴿وتولّى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن﴾، يقول الفخر الرازي (رحمه الله) في معرض تفسيره لهذه الآية: «فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره، فلا يكون ذلك داخلًا تحت التكليف، وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه». ولا ينبغي أن ننسى أن تعاليم التكاتف والإحسان ورفع الظلم والقصاص لصيقةٌ في الدين بمشاعر الناس التي تعترف بها هذه السلوكيات الاجتماعيّة/السياسيّة (دفع الحزن، وإدخال السرور، وشفاء الغليل، إلخ). ينطلق كتاب بروكتر، وهذه المقالة، من ضرورة إنسانيّة هي الاعتراف بمشاعر سوانا من البشر والسعي إلى معالجتهم وتعافيهم، وهذا لا ينفي أهمية الدين لكنه يدعو إلى الأخذ بالأسباب مع التوكّل ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكّل على الله﴾ و«اعقلها وتوكّل». فلا بد من اجتماع عمل الجوارح (الأخذ بالأسباب) وعمل القلب (التوكّل)، وفي هذا يقول ابن القيم (رحمه الله): «ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلًا للأمر والحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكّلًا، ولا توكّله عجزًا». وهذا الموقف، وهو موقفٌ شخصيٌّ بالطبع، ينطبق على هذه المقالة وما ستناقشه من حالات شعوريّة أو نفسيّة، والتي سوف ينصب التركيز فيها على تناولنا المادي لها وضروراته العلاجيّة والتضامنيّة.

    [3] مثل العجلة الصبورة patient urgency التي تجمع بين ضرورة الصبر والعجلة الطارئة التي تقتضيها الظروف، والرثاء المقاوم militant mourning الذي يدعو للرثاء والمقاومة معًا، ومفهوم التعافي المقاوم الذي ستتطرق إليه هذه المقالة.

    [4] ينظر الفصول التي ناقشت فيها بروكتر الميلانخوليا والاكتئاب عند اليسار، وبالتحديد مناقشتها لأعمال سفيتكوفيتش وفيشر وميليت.

    [5] التحولات كثيرة في علم النفس، وبصمات الرأسماليّة تكاد تلطّخها كلّها، وقد ناقشت بروكتر سريعًا بعض هذه الآثار في الانتقال من التحليل النفسي (الذي يتعمّق في النفس والمشاعر وعلاقتها بالظروف والبيئة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة) إلى الطب النفسي (الذي يُشخّص ويُحدد أعراضًا بيولوجيّة ويصف علاجات كيميائيّة). هذا التحول لا يمكن إنكار دور الرأسماليّة فيه: التحوّل إلى الطب النفسي يعني تحوّل علم النفس إلى مجال «الأمراض الحقيقيّة»، الأمر الذي يعني تسهيل منح تأمين طبي، وتوفير الدعم المادي للبحوث العلميّة، ونشاط شركات الأدويّة، وبالطبع: نزع السياسة من القضية – الموضوع كيميائي محض فلا داعٍ للتفلسف حول القمع والظلم. المشكلة ليست الإبادة والموت والدمار والظلم، المشكلة أن عقلك لا يفرز سيروتونين بما يكفي.

    [6] تحضرني هنا الممارسة الرأسماليّة التي تصفها جودي دين بوصف responsibilisation، المسأَلَة أو التَّمَسْؤُل، التي تضع مسؤولية كل مشاكل العالم على عاتق الفرد، فلا يكفي فصلنا عن الواقع وعزلنا عن بعضنا، ولكن يجب أن نتحمّل مسؤولية جراحنا. هذه الممارسة واضحة حتّى داخل الإطار الرأسمالي للاحتراق: المشكلة ليست في ضغط العمل أو سوء الإدارة أو استغلال الموظفين، المشكلة في إخفاق الموظف في التعامل مع التوتر، وعدم قدرة الموظفة على تنسيق وقتها، المسؤولية تقع على عاتقهما لا عاتق الإدارة.

    [7] Ahmead et al. The prevalence of burnout and coping strategies among Palestinian health professionals: a cross sectional study. Frontiers in Public Health. 18 December 2024.

    [8] Aldabbour et al. Emotional exhaustion, depersonalization, and personal accomplishment: exploring burnout in Gaza’s healthcare workforce during the war. Middle Eat Current Psychiatry. (2025) 32:25.

    [9] شارك في الدراسة 667 من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات من غزة. 40% من المشاركين في الدراسة كانوا يعيشون في خيام. أكثر من 68% نازحون. 67% تدمرت بيوتهم. حوالي 30% استشهد قريبٌ له، وأكثر من 50% استشهد زميلٌ له. رصدت الدراسة أبرز ما يستند إليه المشاركون لمواجهة الوضع: أكثر من 60% منهم يلجؤون إلى الدين، 26% قالوا إنه قد يساعدهم أخذ استراحات، 13% ممارسة الرياضة، 7% الحديث مع الزملاء.

    [10] انظر/ي:

    De Beer et al. Maslach Burnout Inventory – General Survey: A Systematic Review and Meta-Analysis of Measurement Properties. European Journal of Psychological Assessment. 2024.

    [11] انظر/ي مثلًا مقالة:

    Abed Alah, Muna. Echoes of conflict: the enduring mental health struggle of Gaza’s healthcare workers. Conflict and Health. (2024) 18:21.

    تذكر هذه المقالة استهداف العاملين بالقطاع الصحيّ في غزة واستهداف المستشفيات، ولكن عند نظرها في التجربة الشعوريّة للعاملين في القطاع الصحي لا تأتي على ذكر مشاعرهم تجاه الظلم والإبادة والجرائم التي يتعرضون لها.

    [12] انظر/ي مثلًا مراجعة:

    Aqtam, Ibrahim. A narrative review of mental health and psychological impact of the war in Gaza. East Mediterranean Health Journal. 2025; 31(2).

    تستعرض هذه المراجعة قرابة 80 دراسة بين 2010 و2024 عن الصحة العقلية في غزة، وتعترف بتاريخ معاناة غزة، وتشير إلى ثغرات في البحث تعرقل معالجة أزمة الصحة العقلية، مثل الظروف الاقتصاديّة والتمييز الجندري والنظرة الاجتماعيّة للعلاج النفسي، ولكنها لا تشمل في عناصر تحليلها ولغتها النظر في حقيقة الحياة تحت الاحتلال وعلاقة ذلك بالصحة العقلية، بل تتحدث عن أزمات الهوية وشبكات الدعم الاجتماعية وتنسى الإبادة وجرائم الاحتلال ومشاعر الفلسطينيين نحوها.

    [13] تتوقف بروكتر أيضًا مع بعض الكتابات التي لفتت الانتباه إلى الجانب العرقي والجندري في هذا التركيز التشخيصي، الذي أعاد الرجل المستعمر الأبيض إلى مركز النقاش بوصفه مريضًا ناجيًّا معانيًّا من تروما جرائمه ضد الشعوب الأخرى برجالها ونسائها.

    [14] انظر/ي مثلًا:

    Bazar, Qamar. A Broken Glass and its Pieces: The Psychological Impact on Children in Gaza. CUNY Academic Works. 2025.

    [15] UNRWA. Mental Health and Psychological Support (MHPSS) In Gaza: Analysis after 300 days of war. August 2024.

    [16] انظر/ي مثلًا:

    Hamamra et al. War-related trauma in narratives of Gazans: challenges, difficulties and survival coping. Cambridge Prisms: Global Mental Helath (2025) 12, e34.

    [17] Al-Hroub, Anies. Death Anxiety and Trauma in Forcibly Displaced Children in the Gaza Strip: A Critical Review of Emerging Research, 2024-2025. Current Psychiatry Reports. (2026) 28:21.

    المقالة متوّفرة على هذا الرابط. 

المصدر: حبر | Source: حبر

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن صحة | More on Health

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم صحة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Health. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر. Tags: mental health, trauma, survival, genocide.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free