الروائية كريمة أحداد: الكتابة سلاح يواجه اللامبالاة والنفاق الثقافي
هناك حوارات لا تبدأ بالسؤال وإنما بالدهشة، بما تعني دهشة الاقتراب من صوتٍ سرديّ يكتب كما لو أنه يفتح جرحاً في جسد الثقافة المغربية والمجتمع المغربي، لكي يرى ما الذي يختبئ داخلهما. في هذا الأفق الملتبس بين الحياة والكتابة تقف الكاتبة المغربية كريمة أحداد، لا كصوت عابر في المشهد الثقافي المغربي، ولكن ككاتبة خرجت من عمق التجربة الإنسانية لتصنع لنفسها مكاناً خاصاً داخل الرواية المغربية المعاصرة، من خلال روايات ” بنات الصبار” و”حلم تركي” و” المرأة الأخرى “… وكأن الكتابة عندها ليست مجرد اختيار جمالي، بقدر ما هي ضرورة وجودية تشبه التنفس، أو تشبه محاولة النجاة من عالم ضيق عبر فتح أبواب الخيال على مصاريعها. ذاك هو طوق الكتابة لديها.
وحين نقترب في هذا الحوار المفتوح على صفحات ” هسبريس الالكترونية “، من تجربة كريمة أحداد، نكتشف بسرعة أن الرواية بالنسبة إليها ليست مجرد حكاية تُروى، فهي مساحة عميقة لمساءلة الحياة نفسها. وهناك دائماً ذلك التوتر الخفي بين الحياة كما ينبغي أن تكون، والحياة كما تحدث بالفعل. وذلك الشرخ الصامت بين القيم التي نعلنها في خطاباتنا اليومية وبين الواقع الذي يمضي في اتجاه آخر، أكثر قسوة وغموضاً. وفي هذه المسافة الموجعة تحديداً تولد حكاياتها، وتتشكل شخصياتها، وتظهر تلك الكائنات الإنسانية التي تعيش في مناطق الظل، على هامش المدن والذاكرة والسلطة.
إن عالمها القصصي والروائي يبدو وكأنه يُصاغ من طين الواقع نفسه، من الحكايات الصغيرة التي يعبر بها الناس حياتهم بصمت، حيث نجد مدنا منسية، وأحياء فقيرة، وأصوات بالكاد تُسمع في ضجيج العالم. وحين تمر هذه الأصوات عبر لغة كريمة أحداد، تتحول إلى مادة سردية نابضة، إلى مرايا تكشف ما نخفيه نحن عن أنفسنا. فهي لا تكتب عن الهامش بدافع الشفقة أو الخطاب النضالي المباشر، وإنما لأنها تعرف هذا العالم جيداً، لأنه جزء من ذاكرتها الشخصية، ومن التجارب التي عبرتها في حياتها وفي عملها الصحافي الميداني.
ومن هنا تبدو الكتابة عندها أشبه بمحاولة دائمة لفهم العالم. محاولة لالتقاط تلك اللحظات التي يتقاطع فيها الألم مع الأمل، والخسارة مع الرغبة في الاستمرار. فالرواية، والكتابة، كما تراها، تبدأ دائماً بحكاية. حكاية بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح أبواب الأسئلة الكبرى حول الوجود الإنساني. لماذا يعيش البشر كل هذه التناقضات؟ لماذا نتحدث عن العدالة بينما يفيض الواقع بالظلم؟ ولماذا يبدو الإنسان أحياناً وحيداً إلى هذا الحد في مواجهة العالم؟
غير أن ما يمنح تجربة كريمة أحداد فرادتها، لا يكمن فقط في المواضيع التي تطرقها، وإنما في تلك العلاقة الحميمة التي تربطها بفعل الكتابة نفسه. ولا تمثل الكتابة بالنسبة إليها لحظة إلهام عابرة، فهي عمل يومي صارم، يبدأ في الصباح الباكر قبل أن يذهب العالم إلى ضجيجه المعتاد. إنها طقس من الانضباط الطويل، ومغامرة ذهنية تحتاج إلى صبر القراءة وهدوء التأمل وإصرار الكاتب (ة) على الاستمرار رغم الشكوك والعوائق.
وداخل هذا الأفق تتشكل أيضاً رؤيتها لموقعها في الرواية المغربية. فهي لا تسعى إلى تقليد أحد، ولا إلى الانتماء إلى قالب جاهز أو تقليد محدد. ما يشغلها هو أن تكتب بصوتها الخاص، أن تنحت لغتها السردية الخاصة، وأن تجعل من الحكاية أداة لفهم الإنسان في هشاشته وقوته معاً. ومع ذلك فهي تدرك أنها، مثل كل كاتب (ة)، امتداد لذلك النهر الطويل من الحكايات التي رافقت الإنسان منذ بداياته الأولى.
وخلف هذا المسار الإبداعي تقف أيضاً تجربة كاتبة تعرف جيداً صعوبة الكتابة في السياق الثقافي المغربي والانتقالات الموجعة بين الهنا والهناك وتكلفة الحياة الباهظة. فعالم القراءة المحدود، وغياب الدعم، والبيئة الثقافية المثقلة بالمجاملات والنفاق الاجتماعي والذكورية أحياناً. ومع ذلك تواصل الكتابة بإيمان هادئ وعناد خفي، كأنها تقول إن الحكاية الحقيقية تبدأ دائماً من الإصرار على قول ما يجب قوله.
في هذا الحوار المضيء على جريدة ” هسبريس الالكترونية “، نحاول أن نقترب من هذه التجربة المتوهجة. ومن تلك اللحظة الأولى التي ولدت فيها بذرة الكتابة داخل طفلة تبحث عن فضاء أوسع من واقع مغلق. ومن الأسئلة الوجودية التي تغذي عالمها الروائي. ومن رؤيتها للرواية باعتبارها محاولة إنسانية لفهم العالم، لا لتغييره بالضرورة، وإنما لجعلنا أقل وحدة ونحن نعبر هذا العالم المليء بالحكايات والقصص الجميلة.

نص الحوار:
كيف وُلدت البذرة الأولى للكتابة لديك، وما هي اللحظة التي شعرتِ فيها أن الرواية أصبحت قدركِ الإبداعي وليست مجرد تجربة عابرة؟
بدأتُ الكتابة وأنا صغيرة جداً. جاء الأمر فطرياً، ولم يكُن مفكّراً فيه بالطبع. وجدتُني أتخيّل قصّة وأكتبها. ربّما كنتُ بذلك أهرب من واقعٍ مُغلَق ومكبِّل إلى عوالم أوسع وأرحب، وربّما كنتُ أشعر بالملَل فقط من حياةٍ لا تتوفّر فيها أبسط إمكانيات اللهو واللعب والحركة، في مدينة مهمّشة ومنسية، فالتجأتُ إلى الخيال، وإمكانياته الشاسعة، لأعيش حياتي بالطريقة/الطرق التي أحبّ وأشتهي.
ظلّت الكتابة ترافقني، في مختلف محطّاتِ حياتي. كتبتُ خلال المراهقة، سعياً للإجابة عن أسئلة حارقة نتجت عن التناقضات بين الواقع وبين ما يُقال، تأثيرات العادات والتقاليد والفهم الخاطئ للدين على حياة الناس، وضع النساء. الفساد، التهميش، كانت هذه أشياء أراها وأعيشُها كلّ يوم، وربّما لم أكن لأستوعبها وأفهمها لولا الكتابة. حتى بعد أن غادرتُ مدينتي، لم أتوقّف عن الكتابة، وظللتُ متشبّثة بالخيال والحكايات. مع الوقت والقراءات الكثيرة، نضجت كتابتي أكثر، وصار لها شكل، وأصبح بإمكاني تصنيفها في خانات أجناس أدبية محدّدة. تلوينات عالم الكتابة وسحره جعلني أرغب في التوغّل فيه أكثر، مثل مغامرة، أو لعبة ممتعة. لعبة تتيح لي في كلّ مرّة فهم جزء صغير من هذا العالم الكبير، وأدرك، مع الوقت، أنّ ثمّة دهاليز وطرقاً سرية وأبواباً متعدّدة أستطيع الولوج بها إلى هذا العالم الساحر، الحكايات. نتج عن ذلك ثلاث روايات ومجموعتان قصصيتان، ورواية رابعة قيد الكتابة.
تبدو أعمالك وكأنها تتأسس على موضوعة إنسانية دقيقة تتقاطع فيها العزلة، والبحث عن الذات، وأسئلة المرأة والمجتمع. ما الفكرة المركزية أو الجرح الوجودي الذي تشعرين أنه يقف خلف عالمك الروائي؟
أظنّ أنّه الاختلاف بين الحياة كما أفهمها، والحياة كما تحدُث. التناقض الصارخ بين الأخلاق والقيم والمبادئ التي تتبجّح بها مجتمعاتنا وندرّسها في المدارس ونكتب عنها في الكتب وندافع عنها في وسائل الإعلام والمناشير السياسية والمحاضرات الدينية، والواقع الخالي من هذه القِيَم. العدالة مثلاً، المساواة بين البشر، الخير، السّلام، حقّ البشر في حياةٍ كريمة… كلّها أشياء نتحدث عنها، وتوجد في خطاباتنا، لكنّها غائبة عن الواقع.
ثمّ هناك اللامبالاة تجاه آلام الناس وأحلامهم وإحباطاتهم وعذاباتهم. الكتابة عن الناس هي نقيض اللامبالاة، هي أن تمنح صوتاً للأشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم، هي أن تتعاطف معهم، وتفهمهم، حتى لو كانوا جلّاديك في الواقع. الأدب هو ذلك الخيط المتين الذي يربط البشرية عبر مختلف الأزمنة منذ بدء الخليقة وإلى الأبد، ويجعلنا نحسّ أننا لسنا وحيدين.
في رواياتك حضور واضح للشخصيات التي تعيش على الهامش أو في مناطق الظل. هل ترين أن الرواية مساحة لإنصاف الأصوات التي لا يسمعها أحد؟
لن أقول إن دور الرواية هو إنصاف الأصوات غير المسموعة، لكنّ دورها بالأحرى هو تسليط الضوء على المناطق المهمّشة والمظلمة من حياة البشر بشكل عامّ. إن آلامنا ومخاوفنا كبشر هي نفسُها في روسيا والمغرب والولايات المتحدة والهند وفرنسا. كلّنا نخشى الموت، ويخيفنا المجهول، ويعذّبنا الحبّ، ونتطلّع إلى الأشياء، ونتعلّق بالماضي… ثمّة أسئلة مشتركة بين البشر جميعهم، ونحن نسلّط الضوء عليها عبر الحكايات. قد تجري أحداث القصص في أوساط بورجوازيّة، أو في أماكن فقيرة ومهمّشة، لا يهمّ. ما يهمّ هو أنها تخبرنا عن حياة الناس، وطرائق تفكيرهم، ومخاوفهم، وهواجسهم.
اهتمامي بالأوساط الفقيرة والمهمّشة في رواياتي ليس نابعاً من رغبةٍ خالصة في النضال من أجل هذه الأوساط، بل من تجربتي الشخصية، والحياة التي عشتُها ورأيتُها، وقصص الناس من حولي، والأماكن المنسية التي زرتها واستكشفتها في بلدي خلال تجربتي كصحافية ميدانية. في كتاباتي، أنطلق دائماً من الأشياء التي أعرفُها، والعوالم التي أؤمن أنني أستطيع ضبطها وخلق قصص متماسكة عنها.
كيف تعرّفين الرواية اليوم؟ هل هي بالنسبة لكِ حكاية، أم سؤال فلسفي طويل، أم محاولة لفهم العالم عبر اللغة؟
الرواية حكايةٌ قبل كلّ شيء. لا بدّ من أن تكون حكاية. وعبر هذه الحكاية، يمكننا طرح أسئلة عن الحياة والوجود. أظنّ أن الحكايات جميعها التي اخترعتها البشرية على مرّ الأزمان، سواء كانت شفوية أو مكتوبة، هي محاولاتٌ لفهم هذا العالم المبهم، وتفكيك تعقيداته، وإلقاء الضوء على المناطق الغامضة فيه.
الرواية المغربية شهدت تحولات كبيرة خلال العقود الأخيرة. كيف تنظرين إلى موقعك داخل هذا المشهد؟ وهل تشعرين أنك امتداد لتقاليد روائية سابقة أم أنك تحاولين كسرها؟
أنا لا أريد أن أشبه أحداً في كتاباتي، ولا أحاول تقليد كاتب أو كاتبة حتى لو كانت كتاباتهم تدهشني وتسحرني. ثمّة رواياتٌ لشدّ ما أعجبتني تمنّيتُ لو كنتُ كاتبتها، لكنني لم أحاول قطّ أن أكتب رواياتٍ تشبهها. أكتب بأسلوبي الخاصّ، وأعمل على صقل هذا الأسلوب بالكتابة اليومية والقراءة. لا أسعى للتمسّك بقالبٍ معيّن أو تقاليد محدّدة. طبعاً هناك قواعد لا بدّ من الالتزام بها من أجل تسمية ما نكتبه عملاً روائياً، مثل الشخصيات والحبكة والصراع والرؤية السّردية… وهي قواعد عامّة لا يمكن ألّا تتوفّر في عمل روائي، سواء كان قديماً أو جديداً، كلاسيكياً أو رومانسياً أو معاصراً… كما أنني لا أنكر تأثري بقراءاتي لكتّاب متعددين من مختلف أنحاء العالم، وأنا في النهاية، لستُ سوى امتداد للتجربة الأدبية والحكائية التي بدأت منذ زمن بعيد، ورافقت الإنسان حتى يومنا هذا.
الكاتب المغربي يشتغل غالباً داخل ظروف صعبة: ضعف القراءة، قلة الدعم، وضغط الواقع اليومي. من تجربتك الشخصية، ما أبرز الإكراهات التي تواجه الكاتب في المغرب؟
فعل الكتابة في حدّ ذاته تجربة شاقة، وعندما تُضاف إليها صعوباتٌ من قبيل ضعف القراءة، غياب الدعم للكتّاب والمبدعين، الفساد الثقافي وغيرها… قد تصبح هذه التجربة جحيماً لا يُطاق، بغض النظر عن المتعة التي قد يتيحُها الخلق والإبداع. فالكاتب يمرّ من فتراتِ شكّ طويلة، شكّ في فكرته وفي قصته وفي شخصياته وفي جودة عمله وفي ما إذا كان هذا العمل يستحقّ النشر والقراءة أم لا… ثمّ عليه أن يخصّص وقتاً لإنجاز هذا العمل. فالكتابة عملٌ قبل كلّ شيء، عملٌ جادّ يستدعي مجهوداً فكرياً كبيراً، واستمرارية، وقراءات كثيرة. وهذا وقتٌ لا بأس به يضطرّ الكاتب لانتزاعه من أوقات الراحة لديه، خاصة إذا كان يمارس مهنةً أخرى يكسب بها لقمة العيش. وفي الغالب، يزاول الكتّاب مهناً أخرى أو في أفضل الأحوال يعملون في الترجمة ويكتبون المقالات من أجل جني المال. فالكتابة في المغرب لا تؤكل خبزاً، ولم أسمع لحدّ الآن عن كاتب مغربيّ يعيش من كتُبه والأرباح التي يجنيها من رواياتِه!
شخصياً، أستيقظ كلّ يوم في السادسة صباحاً من أجل الكتابة، قبل أن أذهب إلى العمل بدوام كامل، وأقرأ في الليل، بعد تناول العشاء، أو في الميترو حين أتجه إلى العمل أو أعود منه. طبعاً، لا أجني مالاً من كتاباتي، ولم أحصل على دعم للكتابة سوى مرّةً واحدة. ومن موقعي ككاتبة امرأة، أستطيع القول إن الكاتبات النساء قد يقاسين معاناةٍ مضاعفة، باعتبار أنّ البيئة الثقافية في المغرب وفي البلدان الناطقة بالعربية بشكل عام، هي بيئة ذكورية بامتياز. هناك جوائز لم تحصل عليها امرأة واحدة في أيّ دورة من دوراتها، وأخرى اكتسح الكتّاب الرجال قوائمها القصيرة والطويلة، ثم إننا لا نؤخذ على محمل الجدّ حين نكتب، ونوضع دائماً في قفص الاتهام إن نحن كتبنا عن شخصيات نسائية أو اخترنا أسلوباً جريئاً، ولا نُسأَل سوى عن هذا، بل إننا موضوع تشكيك دائم، فيما إذا كانت كتاباتنا من وحي خيالنا أو مجرّد سردٍ لحياتنا الخاصّة، وكأن ذلك يُنقِص من الإبداع شيئاً… زد على ذلك أن الأوساط الأدبية بشكلٍ عامّ مطبوعة بالنفاق والمجاملات. أفكّر أحياناً أنه لولا الإيمان الحقيقي بمشروعي وبكتابتي، كنتُ لأتوقف عن الكتابة منذ زمن بعيد. وأنا ممتنة لهذا الإيمان ولهذا الإصرار. هما شيئان لن يستطيع أحدٌ ولا قوةٌ أن تأخذهما مني، حتى الفساد والذكورية.
عناوين رواياتك لافتة وتحمل شحنة دلالية قوية. كيف تختارين العنوان؟ هل يولد قبل النص أم بعده أم يتشكل تدريجياً مع الكتابة؟
يتوقّف ذلك على النصّ. مثلاً، بالنسبة لروايتي “بنات الصبّار”، تمّ اختيار العنوان لاحقاً بعد الانتهاء من العمل، وبالنسبة “للمرأة الأخرى”، كان العنوان بمثابة البذرة الأولى للرواية، ثم قرّرتُ الاحتفاظ به، لأنه في نظري يشكّل عتبةً جيّدة للنصّ. في قصتي القصيرة “شوكة رفيعة تحفر عميقاً في قدمي”، كان العنوان جملةً متضمّنةً داخل النصّ، لكنّها تلخّص بشكلٍ قويّ ومكثّف الحالة النفسية للبطلة والجوّ العامّ داخل القصّة.
ما الذي يحدث داخل يومك عندما تكتبين؟ هل لديك طقوس خاصة بالعزلة والوقت والمكان، أم أن الكتابة تأتيك في لحظات غير متوقعة؟
طبعاً ثمّة أفكار تأتي في لحظات غير متوقعة، أشياء تلوح في الذاكرة، عبارات تلمع داخل رؤوسنا، وينبغي تدوينها في لحظتها خشية نسيانها في ما بعد. لكنّ العملية الإبداعية أصعب وأعقد من ذلك. هي تتطلب أولا وقبل كلّ شيء الانضباط، بمعنى أن الكاتب يلتزم بنظام معيّن ووقت محدّد يومياً من أجل إنجاز عمله الأدبيّ. لا يمكن الاعتماد فقط على لحظات الإلهام من أجل إنجاز عمل روائيّ، فهو بناء يتطلب وقتا وجهدا وعملاً يوميا لإرساء لبناته وتحقيق تماسكه. ثمّ إن الإلهام نفسه لا يأتي دون الانضباط. يشبه ذلك ممارسة الرياضة، حين نُعمِل أجسادنا بصفةٍ منتظمة، ونعَوِّدها على التمرين، تصبح الحركة سهلة وسلسة. الدماغ يعمل بالشكل نفسه، إذا عوّدته على التفكير والعمل في فترة معيّنة من النهار، سوف يصبح إنتاج الأفكار (أو ما نسميه نحن الإلهام) أكثر سلاسة وتدفّقاً.
إلى أي حدّ تتداخل حياتك الشخصية مع نصوصك؟ وهل تخافين أحياناً من أن تفضح الكتابة ما نحاول إخفاءه؟
لا أحاول إخفاء شيء، وعندما أكتب بالتحديد، أفتح ذاكرتي، وأسمحُ للذكريات والأفكار بالتدفّق. لا أخشى أحداً وأنا أكتب، وأعمل جاهدةً على التحرّر من العالم الخارجيّ وقوالبه الجاهزة وأحكامه وتوقّعاته. كنتُ في الماضي قلقةً بعض الشيء من مسألة ربط كتاباتي بحياتي الشخصية، لكنّ الأمر لم يعُد يهمّني الآن، ما دامت الرواية بالنسبة لي مجرّد طريقةٍ لإعادة ترتيب الواقع وفهمه. لا يهمّ ما الذي حدث فعلاً، وما الذي لم يحدُث، بل كيف أقول ذلك كلّه في نصٍّ جيّد ومختلف.
لو سُئلتِ اليوم: ما الدور الحقيقي للرواية في زمن مضطرب كهذا؟ هل ما زلتِ تؤمنين بقدرتها على تغيير شيء في الإنسان أو في العالم؟
لا أظنّ أن الرواية يجب أن تلعب أدواراً تربوية أو تغييرية، لكنّها قد تكون وسيلةً لخلق التعاطف بين البشر من خلال الحكايات، وعلى فهم أنفسنا والعالم من حولنا بطريقة أفضل وأعمق.
كلمة مفتوحة لك
لكي تكون كاتباً، أنت لا تحتاج إلى الموهبة، بل إلى الشغف والانضباط والاستمرارية.
The post الروائية كريمة أحداد: الكتابة سلاح يواجه اللامبالاة والنفاق الثقافي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

