وقال الرئيس الأميركي، على نحو صادم، إنه يفكر الآن في سحب الولايات المتحدة من "الناتو"، وزعم أنه بات يعرف أن الحلف لن يكون إلى جانب الولايات المتحدة عند الحاجة. ومن الناحية القانونية، لا يملك الرئيس ترمب سلطة إنهاء عضوية الولايات المتحدة في "الناتو" بقرار منفرد، إذ يحتاج إلى موافقة أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ.
وفي الواقع، لا يقتصر نهج ترمب على "الناتو"، بل يعكس نظرته إلى المنظمات الدولية عموما. وتتصدر الأمم المتحدة قائمة المنظمات الدولية التي وصفها ترمب بصورة قاطعة بأنها "عديمة الجدوى". ويقول إن الأمم المتحدة باتت، في رأيه، مؤسسة عفى عليها الزمن، لكن المفارقة أن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ومنهم الولايات المتحدة، هم العائق أمام الإصلاحات المطلوبة، لأن هذه الدول لا ترغب في التخلي عن السلطة المطلقة، ولا حتى في تقاسمها. وقد فقدت الأمم المتحدة، التي كانت تعاني أصلا، مزيدا من توازنها خلال رئاسة ترمب. وانسحبت الولايات المتحدة بالفعل من اليونسكو ومن مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأعلنت أنها ستنسحب من نحو 30 كيانا آخر تابعا للأمم المتحدة أو مرتبطا بها.

وفي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، التي فقد فيها أكثر من 70 مليون شخص حياتهم، هزم الإرهاب النازي، لكنه استبدل بتهديد سوفياتي وسياسة توسع. وتضافرت القوى على جانبي الأطلسي، الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية، وأسست منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتوحد الحلف تحت شعار "الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع"، كما تنص المادة الخامسة من معاهدته التأسيسية. وبهيكل راسخ، وبالولايات المتحدة بوصفها عموده الفقري، اضطلع "الناتو" بدور كبير في حماية أعضائه ومنع الحرب الباردة من التصاعد إلى حرب عالمية جديدة.
ومع انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط الستار الحديدي، برز "الناتو" بوصفه المنتصر في الحرب الباردة. واتضح أن المزاعم القائلة بأنه لم تعد هناك حاجة إلى "الناتو" كانت خاطئة، إذ ظهرت مخاطر وتهديدات جديدة من كل الاتجاهات. وتكيف الحلف مع الوقائع الجديدة، وحافظ على أهميته وفاعليته. وتنبع قوة "الناتو" من الوحدة والردع، ومن المهم الحفاظ على ذلك. وفي الوقت الراهن، يأتي التحدي الأبرز الذي يواجه الحلف من الداخل.
وتحولت حجج ترمب خلال ولايته الأولى في الحكم، من 2018 إلى 2022، حين قال إن "الناتو" يعيش على حساب الولايات المتحدة وإن هذا الوضع ينبغي تصحيحه، إلى فرصة لمعالجة بعض احتياجات الحلف ونقائصه، وجُعل أقدم تحالف عسكري في العالم وأقواه أكثر فاعلية. ووافقت الدول الأعضاء على رفع حصتها من الإنفاق الدفاعي إلى اثنين في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي في "قمة ويلز" عام 2014، ثم إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في قمة لاهاي عام 2025. وبصرف النظر عن تباين الآراء حول ما إذا كان ينبغي توجيه هذه الموارد المالية إلى الدفاع أم إلى مجالات أخرى، فإن هذه الخطوات، من منظور دفاعي بحت، كانت موضع ترحيب داخل الحلف. كما حفزت سياسات روسيا العدوانية وحربها على أوكرانيا الحلفاء.










