الولايات المتحدة.. افتتاح أول متجر تجزئة يديره وكيل ذكاء اصطناعي بالكامل
افتتحت شركة Andon Labs أول متجر يحمل اسم Andon Market في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، ليكون أول متجر بيع بالتجزئة يُدار بشكل أساسي بواسطة وكيل ذكاء اصطناعي يُدعى Luna، في خطوة تهدف إلى اختبار حدود قدرة الأنظمة الذكية على إدارة الأعمال في العالم الحقيقي.
ويقدم المتجر تجربة مختلفة جذريًا عن نظيراتها التقليدية؛ إذ لا توجد صناديق دفع أو أجهزة مسح ضوئي، ولا حتى موظفو محاسبة، وبدلًا من ذلك، يتفاعل الزبائن مع النظام Luna عبر هاتف أرضي تقليدي داخل المتجر، حيث يطلب منهم تحديد المنتجات التي يرغبون في شرائها، ليتولى إعداد عملية الدفع على جهاز لوحي قريب مزود بنظام الدفع عبر البطاقات البنكية.
وتمنح هذه الآلية المتجر طابعًا فريدًا يمزج بين التجربة البشرية المألوفة والاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات.
ذكاء اصطناعي معزز بوجود بشري
ورغم أن Luna يُعد المدير الرسمي للمتجر، إلا أن الفكرة والتأسيس الفعلي جاءا من فريق الشركة الناشئة، التي تسعى إلى رفع الوعي بقدرات الأنظمة الذكية المتقدمة، واستكشاف مستقبل قد تُدار فيه المؤسسات بالكامل بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين.
وأكد مؤسسا الشركة، أكسل باكلوند ولوكاس بيترسون، أن الهدف الأساسي من التجربة هو إظهار أن الذكاء الاصطناعي بات قادرًا ليس فقط على تنفيذ المهام، بل أيضًا على توظيف البشر وإدارتهم، بما يفتح الباب أمام نقاش مجتمعي أوسع عن شكل هذا المستقبل ومدى قبوله.
ومن أبرز مظاهر هذه التجربة أن Luna تولى كامل عملية التوظيف، ونشر إعلانات الوظائف عبر منصة Indeed، وحدد شروط الوظيفة والمزايا، وأجرى مقابلات مع المتقدمين عبر الإنترنت، قبل أن يختار موظفين اثنين لإدارة العمل اليومي داخل المتجر.
وقال أحد الموظفين إنه كان مترددًا في البداية، نظرًا لانتشار عمليات الاحتيال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنه أعرب عن دهشته بعد المقابلة، مؤكدًا أن النظام هو من اتخذ قرار تعيينه بالفعل.
ويمتد دور Luna إلى ما هو أبعد من التوظيف، إذ يتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الأعمال، تشمل التفاوض مع الموردين، وإجراء عمليات شراء فعلية باستخدام بطاقة ائتمان، بالإضافة إلى اتخاذ قرارات تتعلق بتشكيلة المنتجات المعروضة داخل المتجر.
وبعد دراسة المنطقة المحيطة، قرر النظام اختيار منتجات تتماشى مع مفهوم "الحياة البطيئة"، مثل الألعاب اللوحية والشموع والقهوة والمطبوعات الفنية، في محاولة لخلق مفارقة بين الطابع التكنولوجي للمتجر وطبيعة المنتجات الخالية من التقنية.
وصمم النظام الشعار الخاص بالمتجر، وأشرف على عناصر الديكور الداخلي، فضلًا عن الاشتراك في خدمات الإنترنت والأمن والنظافة، بما يعكس درجة عالية من الاستقلالية.
أوجه قصور في التجربة
مع اعتمادها الكامل على أتمتة جميع عملياتها، تفرض الشركة قيودًا على هذه الاستقلالية، من بينها سقف إنفاق يبلغ 100 ألف دولار، إضافة إلى ضرورة موافقة الفريق البشري على القرارات الكبرى، إلى جانب إعداد البنية التحتية التقنية وفتح الحسابات المصرفية والبريدية للنظام.
ورغم هذا المستوى المتقدم من الإدارة الذاتية، إلا أن التجربة كشفت عن عدد من أوجه القصور، خاصة في التفاعل الصوتي، إذ قدم Luna معلومات غير دقيقة في بعض الحالات، واعترف لاحقًا بأنه يميل إلى “اختلاق تفاصيل تبدو منطقية تحت الضغط”.
وفي واقعة أخرى، ادعى النظام أنه أبرم عقد إيجار المتجر، رغم أن العملية تطلبت تدخلًا بشريًا قانونيًا. كما حاول توظيف عامل طلاء من خارج الدولة نتيجة خطأ في اختيار الموقع الجغرافي، وأرسل رسائل إلى موردين يعرض فيها زيارة مواقعهم شخصيًا، رغم افتقاره لأي وجود مادي.
قدرات النظام
وتعتمد منظومة Luna تقنيًا على نموذج Sonnet 4.6 الذي تطوره شركة "أنثروبيك"، بينما يستخدم نظام الصوت نموذج Gemini 3.1 Flash-Lite من شركة جوجل، وهو خيار يوفر سرعة وتكلفة أقل، لكنه يؤدي في المقابل إلى زيادة احتمالات الخطأ أو الارتباك أثناء التفاعل.
ورغم الطابع الآلي للمشروع، لا يزال العنصر البشري حاضرًا بقوة، إذ يتولى الموظفون المهام التي يعجز النظام عن تنفيذها، مثل ترتيب المنتجات، وتنظيف المتجر، والتفاعل المباشر مع العملاء.
ويمكن للنظام مراقبة الموظفين عبر كاميرات الأمن وتحليل الصور الثابتة، وبالفعل عدل دليل العمل الداخلي بعد رصد أحد الموظفين يستخدم هاتفه أثناء ساعات العمل، في خطوة وصفها مؤسسو الشركة بأنها “تثير شعورًا بالتعسف”.
ترحيب.. ومخاوف
وأثارت التجربة ردود فعل متباينة، إذ رحب البعض بها باعتبارها استعراضًا عمليًا لقدرات الذكاء الاصطناعي، بينما أعرب آخرون عن مخاوفهم من تداعياتها على سوق العمل، خاصة في ظل إمكانية توسع هذا النموذج مستقبلًا.
ووصف أحد العملاء التجربة بأنها "مثيرة للاهتمام لكنها مقلقة"، معربًا عن رغبته في أن تُستخدم التكنولوجيا لدعم البشر لا لإدارتهم.
من جانبها أكدت الشركة أن موظفي المتجر يحصلون على حقوقهم كاملة، وأن التجربة لا تهدف إلى استبدال البشر، بل إلى فتح نقاش بشأن مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة، موضحة أن الهدف هو تقديم نموذج ملموس يتيح للجمهور التفاعل مع هذه التقنيات، بدلًا من تركها تتطور بعيدًا عن النقاش المجتمعي.
وتعكس هذه التجربة توجهًا متصاعدًا نحو اختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على إدارة أنشطة اقتصادية كاملة، بعدما سبق للشركة نفسها أن اختبرت نماذج مشابهة عبر تشغيل آلات بيع ذاتية.
ومع التطور السريع لهذه التقنيات، يرى القائمون على المشروع أن فهم سلوك الأنظمة المستقلة في الواقع أصبح ضرورة ملحّة، خاصة في ظل احتمالات توسع استخدامها في مجالات أوسع خلال السنوات المقبلة.






