الناشران هشام ومحمد علي حافظ… قصة الريادة والنجاح
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
برحيل الناشر الرائد محمد علي حافظ (رحمه الله) تُطوى صفحة استثنائية من تاريخ الصحافة العربية، وهي صفحة جديرة بأن تُروى بكل فخر واعتزاز من باب الدراسة والاقتداء. أنجبت المملكة العربية السعودية في سبعينيات القرن الماضي شركتين رائدتين وضعتا بصمة مؤثرة في المملكة ودنيا العرب، وأعني بذلك: “الشركة السعودية للأبحاث والتسويق” و**”شركة تهامة للإعلان والعلاقات العامة”. ارتبطت الشركتان باسمين لامعين: الناشرين هشام ومحمد علي حافظ في الشركة السعودية (وهما اسمان لشخص واحد نظير ارتباطهما الروحي والعقلي وتكاملهما المهني)، ومحمد سعيد طيب** في تهامة. قصة الشركة السعودية بدأت في الستينيات، حيث كان هشام ومحمد حافظ يتناوبان على رئاسة تحرير وإدارة صحيفة (المدينة) التي أسسها ويمتلكها علي وعثمان حافظ. ورث هشام ومحمد التوأمة الموضوعية والارتباط الأخوي من والدهما وعمهما؛ فقد كان علي وعثمان يصرفان على أسرتيهما من ميزانية واحدة دون أن تشعر أسرة أنها مغبونة لصالح الأخرى. أطلق الأخوان صحيفة أسبوعية أو شبه أسبوعية في المدينة المنورة، وقصة تأسيس “صحيفة المدينة” تصلح لأن تكون عملاً سينمائياً؛ إذ سافر عثمان إلى القاهرة بغرض شراء مطبعة، وتوفرت الأموال بعد أن باع آل حافظ متجراً يملكونه وذهبَ زوجاتهم، ووضع المال في حزام حول بطنه “كمر”، فُقِد “الكمر” في القاهرة ثم وجده، واشترى المطبعة ونقلها بحراً إلى ينبع، وعلى رصيف الميناء سقطت المطبعة في الماء، فتم إخراجها وتنظيفها وتركيبها من جديد. وبعد أن درسا في القاهرة، عاد هشام ومحمد إلى المملكة لينقلا الصحيفة من المدينة إلى جدة (العاصمة التجارية والدبلوماسية للبلاد آنذاك) كإصدار يومي هو الثالث أو الرابع عربياً بعد “الأهرام” و”النهار”. وضع محمد علي لمسات الحداثة على الصحيفة التي تعلمها من أستاذيه مصطفى وعلي أمين. وكان هشام دارساً للعلوم العسكرية والسياسية، وحين ترك محمد نجيب رئاسة الجمهورية أو أُزيح عنها، تظاهر هشام في شوارع القاهرة نصرة له وأُصيب رأسه بعلامة لم تفارقه. انخرط بعد ذلك في سلك الجيش السعودي، وعمل في قسم المشتريات لمدة قصيرة، وحاول رجل الأعمال المصري المعروف محمد الفايد رشوته، فأخذه هشام في السيارة بحجة المفاهمة وأنزله في وسط الطريق ليعود ماشياً على قدميه. في مطلع الستينيات تقاسم هشام ومحمد منصبي المدير العام ورئيس التحرير؛ ففي سنة يكون هشام مديراً عاماً ومحمد رئيساً للتحرير، وفي السنة التي تليها ينتقل محمد إلى الإدارة العامة ويتسلم هشام رئاسة التحرير. وفي السنة الأخيرة كتب هشام -الذي كان مديراً عاماً حينها- مقالة سياسية ساخنة أذاعتها إذاعة “صوت العرب” أكثر من خطب جمال عبد الناصر، وأيدتها مقالات مماثلة في الصحافة المحلية كتبها أحمد السباعي وأحمد جمال. استدعى الملك فيصل بن عبد العزيز رؤساء التحرير (محمد علي والسباعي وجمال) إلى الرياض شهراً كاملاً من دون أن يتحدث معهم، وقبيل دخول شهر رمضان اعتمد رؤساء التحرير على شفاعة وزير الداخلية الأمير فهد بن عبد العزيز، فقبل الملك فيصل الشفاعة على ألا يعودوا لمثلها. عاد رؤساء التحرير إلى جدة متفاجئين بأن الفيصل أصدر نظام المؤسسات الصحفية، فخرج هشام ووالده قسراً من عضوية الصحيفة التي أسسوها، وبقي محمد وعمه وأُضيف لهما آخرون لا ناقة لهم ولا جمل بالصحيفة، وما جرى في صحيفة (المدينة) امتد إلى باقي الصحف. كانت صحيفة المدينة “صوت الشعب العربي السعودي” في عهد آل حافظ تنويرية بكل معنى الكلمة، ويكفي أنها هي من أسست جامعة الملك عبد العزيز في جدة، والتي كان اسمها “جامعة جدة الأهلية”، بل إن محمد علي حافظ هو مؤسسها الأول والأساسي بمقالة “جدة تستاهل”؛ حيث فُتح باب التبرعات وقام أهالي جدة بتقديم الغالي والنيفيس في جريدة المدينة التي كانت مركزاً لجمع التبرعات، وفي ذلك امتداد لقيام علي وعثمان حافظ بتأسيس مدرسة المسيجيد في الصحراء التي شكل طلابها رافداً واضحاً للبعثات السعودية الأولى. بعد إصدار نظام المؤسسات الصحفية، تم نفي هشام إلى سكرتارية سفارة المملكة في سويسرا، ولم تُوكل له أي مهمة طوال سنواته هناك، ويروي معتزاً قصة باهرة عن استدانته مبلغاً يقدر بمئة ألف دولار ليشتري ساعة ذات إصدار محدود من “كارتييه”، وبعد مرور 40 عاماً ذهب ليقتني منزلاً في دولة أوروبية، وكان مالك المنزل الأصلي تاجر ساعات، فروى له هشام قصة الساعة التي اقتناها قبل أربعة عقود، فقال له تاجر الساعات: “هات الساعة وخذ المنزل”. في سويسرا، شاءت الصدفة أن تجمع هشام بكمال أدهم، رجل المخابرات ومستشار الملك فيصل، فاستقطب أدهم هشاماً إلى جهازه. راودت هشاماً فكرة إطلاق صحيفة سعودية باللغة الإنجليزية لإيصال صوت المملكة لغير الناطقين بالعربية، فوافق أدهم وأقنع بذلك الملك فيصل، فمنح الفيصل استثناءه للشركة السعودية للأبحاث والتسويق، وهي شركة أسسها هشام ومحمد علي. لم يُكتب لهذه الشركة أن تمارس النشاط الذي أُسست من أجله ابتداءً (الأبحاث والتسويق)، بل انطلقت صحيفة “عرب نيوز” برئاسة تحرير أحمد محمود، وانطلقت صحيفة “الشرق الأوسط” بعدها في لندن وغيرها من المطبوعات التي ناهزت 17 مطبوعة بلغات وهويات متنوعة. وهشام هو صاحب فكرة “الشرق الأوسط” اقتباساً من صحيفة “هيرالد تريبيون”، وكي تكون صحيفة القارئ العربي الثانية بعد صحيفته المحلية، وحين تصبح الصحيفة الثانية لكل القراء العرب تصبح بالمجموع الصحيفة الأولى عربياً. شكلت مطبوعات الشركة نقلة على مستوى الصحافة السعودية والعربية، وأنجبت كوادر سادت المشهد الصحفي في غير مكان؛ ففي السعودية برز عثمان العمير وعبد الرحمن الراشد الذي وصفه هشام بـ”أفضل كاتب سعودي وخليفة أحمد بهاء الدين”، وحين رآه أول مرة بعد تخرجه من الولايات المتحدة قال لأخيه محمد: “هذا سيصبح رئيس تحرير الشرق الأوسط”، وفي لبنان جهاد الخازن، وفي مصر عماد الدين أديب وإبراهيم سعدة الذي أوكل إليه أنور السادات رئاسة صحيفة “أخبار اليوم” بعد أن زُعِم طلبُ الناشريْنِ منه الهجوم على مصر. ولو سألت هشاماً مَن أفضل رؤساء التحرير الذين عملوا معك، سيرشدك إلى اسمين: الصحفي المصري صلاح قبضايا بسبب إخلاصه المهني لمدرسة الإثارة، والصحفي السعودي محمد التونسي الذي وصفه هشام بـ”الخياط الفذ”. أطلق الناشران صحيفة (الاقتصادية) لتكون صحيفة نخبة الاقتصاد، وأدى التونسي واجبه لكن الصحيفة لم تنجح في البداية، حينها حول الناشران هوية الصحيفة من اقتصاد النخبة إلى اقتصاد الشارع، وكأنهما فكّا قيود التونسي؛ فكان مانشيت الصفحة الأولى في الاقتصادية حديث المجتمع، كما كانت صفحة “صوت المستهلك” متنفسه. ضمت مطبوعات الشركة نخبة الكُتّاب العرب، ومنهم من حظي بدعم هشام الشخصي كخالص جلبي وجودت سعيد. نجوم مطبوعات الشركة كثر، مثل كحيل رسام الكاريكاتير، وهناك عبد الله الجفري، وعبد الله باجبير، وسمير عطا الله، وأحمد بهاء الدين، ومصطفى أمين، وعرفان نظام الدين الذي ترأس (الشرق الأوسط) وغيرهم، حتى غازي القصيبي كانت له في مجلة “سيدتي” زاوية ثابتة يوقعها باسم مستعار “عجوز سيدتي”، غير زاويته الشهيرة والصريحة في (الشرق الأوسط) إبان حرب الخليج. ولا أنسى فاروق لقمان ووالده اللذين شاركا في بناء الشركة وأجهزتها. هذا الوهج الاستثنائي استدعى حدثاً استثنائياً؛ حيث وقعت شركة تهامة للإعلان مع الشركة السعودية للأبحاث أكبر عقد إعلاني في تاريخ الشرق الأوسط آنذاك -وربما إلى اليوم- بمليار و300 مليون ريال. وكان متوسط أرباح الشركة السنوي يقدر بمئة وخمسين مليون ريال -وهو رقم ضخم جداً بمعايير زمنه وربما بمعايير هذا الزمن- وفي آخر سنة أدار فيها الناشران الشركة قُدرت الأرباح بسبعين مليون ريال، وكان التراجع سببه فتح الإعلانات في التلفزيون السعودي وانطلاق عصر الفضائيات. ريادات وأسبقيات مهنية صحيفة الشرق الأوسط أسس لها الناشران أول موقع إلكتروني لصحيفة عربية، واعتمدت في طباعتها على الأقمار الصناعية في ريادة أخرى؛ فأسبقيات الناشرين لا تنتهي. كانت الصحافة السعودية تحرم الصفحة الأولى من الإعلان يوم صدور الميزانية، فقال هشام حافظ لممثله الإعلاني محمد سعيد طيب: “لو قامت حرب عالمية جديدة لن أحرم أي صفحة من الإعلان؛ فهو مورد دخل الصحيفة وربحها”. وقبل الشرق الأوسط كانت الصحافة العربية تخصص الصفحة الأخيرة للتتمات، فابتكر الناشران فكرة الصفحة الأخيرة بأخبار منوعة وخفيفة سموها (الأولى 2). وكانت من مهام مكتب الشركة في لندن ترجمة وتلخيص ما يُكتب عن المملكة في أوروبا وأمريكا ورفعهما إلى القيادة السعودية. ومن طرائف الشركة إغلاق مجلة “قمر 14” بعد فتوى دينية رأت أن اسم المطبوعة مثير للفتنة. كان منصب الناشرين أهم من منصب وزير الإعلام كوهج، وكانا محل استقبال رؤساء الدول، وربما يفاجأ الجيل الجديد في الشركة بأن دولة السودان طلبت قرضاً من شركتهم قابله الناشران بالرفض، مما أدى إلى منع مطبوعات الشركة في السودان وتهجم الرئيس عمر البشير علناً على مطبوعاتها، وقصة إعفاء عثمان العمير بعد نشر مادة طالت أبناء الرئيس حسني مبارك معروفة. السياسة، الحرية، والمواقف الحازمة مواقف (الشرق الأوسط) لم تكن مطابقة تماماً للسياسة الخارجية السعودية مما أتاح لها التأثير والمصداقية، أو أنها كانت تعبر عن الموقف الحقيقي للدولة، وبلا شك تجاوز سقف حريتها سقف الصحف المحلية؛ كان الموقف السعودي الرسمي مناهضاً لاتفاقية كامب ديفيد لكن مطبوعات الشركة أيدتها، وقلب هشام حافظ العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه بمقالة “تسقط القومية العربية”. كما كانت مقالة عثمان العمير -بعدها بسنوات- “خوش معارضة” زلزالاً آخر. حاول حافظ الأسد اغتيال أول رئيس تحرير سعودي لصحيفة (الشرق الأوسط) محمد معروف الشيباني، فأعاده الناشران إلى الإدارة في المملكة. وكانت مجلة (المجلة) تتناول مواضيع حساسة وشائكة؛ تعرقت جبهة هشام وهو يتلقى توبيخاً من رئيس دولة إزاء نشر المجلة مذكرات ضابط عراقي: “أنت تريد أن تعلم جيشي أن يثور علي!”، كان هشام يعرف متى يحارب ومتى يهادن، ووصل الأمر ذات مرة إلى أن يصدر طبعة خاصة من صحيفة (الشرق الأوسط) من نسخة أو نسختين لا يقرأها إلا رئيس دولة بعينها اتقاءً لغضبه، وهناك قصص أخرى للشركة مع الملك الحسن والملك حسين وياسر عرفات وصدام. عانت الشركة من أزمة مالية بعد إطلاق صحيفة (الشرق الأوسط)، فكللت رعاية الأمير سلمان انطلاقة جامحة للشركة بحكم الدعم والتسهيلات، ووصفه هشام حافظ في مقابلة مع عماد الدين أديب: “سلمان رجل بكل معنى الكلمة”. خرج الناشران من الشركة وتولى الأمير أحمد بن سلمان قيادتها. كان للناشرين هدفٌ حسما أمره قبل مغادرة الإدارة، وهو تحويل الشركة إلى مساهمة عامة، وهو ما حصل لاحقاً. في فترة الأمير أحمد كان أغلب الرعيل المهني الذي أنتجه الناشران يتولى مفاصل التحرير وعلى رأسهم محمد فهد الحارثي الذي تولى الرئاسة التنفيذية لهيئة الإذاعة والتلفزيون (2020 – 2025). غادر الأمير أحمد في ذروة شبابه إلى جوار ربه، فتولى الإدارة الأمير فيصل بن سلمان. وكما أخرجت الشركة أسماءً صحفية لامعة، قدمت لمجلس الوزراء السعودي أكثر من وزير: عبد المحسن العكاس، عادل الطريفي، وسلمان الدوسري. كان هشام -رحمه الله- العقل الاستراتيجي وكان محمد العقل الإداري والتنفيذي؛ يتفاخر هشام بأن لقبه هو “السفاح” وأنه يمتلك 5000 ربطة عنق، وأسس مجلساً في جدة بمسمى طريف هو “نادي البقر”. كان متوقد الذكاء والطموح، يعشق المغامرة وتكسير الصعاب والعراقيل، قوي الشخصية وصاحب كاريزما استثنائية. في إحدى رحلاته السياحية جاءه مدير الفندق طالباً أن يتنازل عن جناحه لرئيس دولة، فرفض هشام بحزم، وحين قابل رئيس الدولة في الردهة (اللوبي) قدم له احتراماً فريداً. كان هشام في الوقت نفسه طيب القلب كطفل، وسخيّاً كأنه يمتلك بنوك الكرة الأرضية، لكنه الثائر وسابق عصره في كل الأحوال، وهو ما ظهر بوضوح في كتاباته بعد مغادرة الشركة؛ اقرأ كتابه “لا.. لست معكم، أنا ضدكم” الذي نشره باسمه، وكتابه “تحالف الشيطان: مافيا الطغيان ومافيا الأديان” المنشور باسم عبد الحق الحر. وكانت من أحلامه المستحيلة أن تحفر المملكة قناة تربط البحر الأحمر بالخليج العربي. محمد شخصية أخرى تكمل شقيقه؛ خجول ورقيق وعبقري صحافة، ضرب أول رؤساء تحرير مجلة (الجديدة) محمد صادق دياب كفاً بكف حين كان محمد علي يبلغه بعدد النسخ المباعة من مطبوعته قبل الطبع بهامش خطأ لا يتعدى ثلاث نسخٍ! وفي الختام وجب التنويه بأن نسيان ريادة الناشرين وقصة نجاحهما ليس مفهوماً ولا مبرراً، ولعل المطلوب من الشركة السعودية -وربما وزارة الإعلام السعودية- تأسيس جائزة صحفية قيمة وراقية للصحافة العربية باسم الناشرين، تؤكد موقعهما الرائد والفريد والاستثنائي في عالم الصحافة والإعلام.





