المنامة تضرب رأس الأفعى وتبتر أصابع العملاء
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في لغة الأمن والسياسة، يتمايز المفهوم بين "الأيادي" و"الأصابع" تمايزًا جوهريًا، فبينما تشير الأيادي إلى المواجهة المباشرة والقوى الظاهرة، ترمز الأصابع إلى تلك الأدوات الممسوخة والخلايا المستترة التي تعمل في العتمة، مُحرَّكة بخيوط من وراء الحدود لصالح أجندات خارجية لا تريد بالمنطقة خيرًا. واليوم، حين تتخذ المنامة قرارًا حازمًا بإسقاط الجنسية عن 69 شخصًا من عملاء الحرس الثوري، فهي لا تمارس إجراءً إداريًا روتينيًا، بل تقود عملية "تطهير سيادي" واعية، تستهدف بتر تلك الأصابع التي ارتضت أن تكون خناجر مسمومة في خاصرة الوطن، مؤكدة أن مملكة البحرين لم تعد تقبل بوجود "ثقوب" في ثوبها الوطني، وأن مفهوم المواطنة لديها عهد غليظ لا يقبل القسمة على الولاءات العابرة للحدود. هذا التحرك البحريني الصارم لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق تاريخي طويل من الاستهداف الممنهج، حيث واجهت المنامة على مدار عقود محاولات استنساخ نماذج الفوضى الميليشياوية، بدءًا من خلايا الثمانينيات وصولًا إلى تنظيمات مثل سرايا الأشتر والمختار التي رعاها الحرس الثوري الإيراني. وقد عكس وصول البحرين إلى هذه المرحلة من الحسم نضجًا في التعامل مع أدوات "العمالة والتحريك عن بُعد"، حيث بات جليًا أن التراخي مع من يسلم عقده وولاءه لغرف العمليات في طهران هو بمثابة منح الحصانة لمن يهدم السلم الأهلي. لذا جاء القرار ليعلن نهاية "المنطقة الرمادية"، فمن نقض عهد الانتماء بالارتهان للخارج، سقطت عنه الحصانة الوطنية تلقائيًا، ليواجه مصيره في "تيه" بلا هوية ولا وطن، بعد أن جردته الدولة من الأرض التي كان يقف عليها كأداة تخريب. ويستمد هذا القرار ثقلًا استراتيجيًا مضاعفًا من توقيته المتزامن مع تصعيد إيراني محموم في المنطقة، حيث لم تعد البحرين تغرد وحيدة في سرب الدفاع عن السيادة، بل جاء هذا الإجراء في وقت تشهد فيه المنطقة يقظة أمنية خليجية شاملة، تجلت في تفكيك شبكات تجسس وتخريب ممنهجة. ويكشف ضبط خلايا في البحرين والإمارات وقطر والكويت، ثبت تورطها في ممارسة التخابر العملياتي والتخطيط لأنشطة تخريبية، عن تحول خطير في وظيفة هذه الأصابع التي لم تعد تكتفي بالتحريض، بل باتت تعمل كـ"رادارات بشرية" وخرائط حية لخدمة آلة الحرب الإيرانية. هذا الانزلاق من التجنيد الفكري إلى التجسس الميداني المباشر، تزامنًا مع الأنشطة العدوانية للحرس الثوري وجمع أموال لتمويل الإرهاب، جعل من "مشرط السيادة" ضرورة وجودية لا غنى عنها لتطهير السجلات الوطنية من شوائب التبعية القاتلة. تتجاوز الرسائل الصادرة من المنامة اليوم الحدود الجغرافية لتصل إلى عمق مراكز القرار في طهران، ومفادها أن الاستثمار في "الأصابع" المحلية هو استثمار خاسر ومحكوم عليه بالفناء، وأن تحويل العملاء إلى أدوات استطلاع عسكرية هو مقامرة خاسرة أمام يقظة الأجهزة الأمنية. فالدولة التي تضع أمنها القومي فوق كل اعتبار، لا تلتفت إلى المجاملات السياسية حين يتعلق الأمر بكيانها واستقرارها، وهي بذلك تضع حدًا لسياسة المراهنة على الصبر الاستراتيجي. إنَّها مرحلة المكاشفة الكبرى، حيث تُعرف المواطنة بأنها التزام مطلق بالسيادة، ويُعرف الخروج عن هذا المسار بأنه انتحار سياسي وقانوني، مما يضع كل من تسول له نفسه العبث بأمن الخليج أمام حقيقة واحدة: أن الأصابع التي تتآمر مع الخارج سيتم بترها قبل أن تلامس نسيج الوطن، وأن السيادة البحرينية، ومعها الخليجية، باتت تملك من المناعة ما يكفي لطرد كل جسم غريب يرتضي التبعية والعمالة بديلًا عن الانتماء.

