هلا أخبار – مع تسارع مشاريع الطاقة المتجددة في الأردن وارتفاع مساهمتها في مزيج الكهرباء إلى نحو 27 بالمئة، تتجه الأنظار إلى تحدٍ جديد يتمثل في توفير الكفاءات البشرية القادرة على قيادة التحول نحو الاقتصاد الأخضر، في وقت تتزايد فيه حاجة القطاع إل فرص عمل نوعية وبشكل متزايد .
وتؤكد الدراسات الحديثة ومنها نتائج لدراسة أعدها مؤخرًا البنك الدولي بالتعاون مع فريق بحثي أردني، أن مستقبل التحول الطاقي في المملكة لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات في مشاريع الطاقة، وإنما بقدرة منظومة التعليم والتدريب على إعداد كوادر تمتلك المهارات الخضراء التي تتطلبها الوظائف الجديدة في مجالات الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة والهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة وغيرها من القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتي من شأنها الإسهام في تحقيق أهداف المملكة الاقتصادية والمناخية.
وقال الخبير في مجال الطاقة المتجددة ورئيس الفريق البحثي للدراسة الدكتور أحمد السلايمة، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الأردن حقق خلال السنوات الماضية إنجازات مهمة في قطاع الطاقة المتجددة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على الاستثمار في الإنسان بنفس القدر الذي جرى فيه الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، مؤكدًا أن المهارات الخضراء أصبحت اليوم شرطًا رئيسيًا لاستدامة مشاريع الطاقة النظيفة، وأن هذه المهارات لا تقتصر على الجوانب الفنية، وإنما تشمل أيضًا مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات وإدارة المشاريع والابتكار.
وأوضح، أن نتائج الدراسة كشفت وجود فجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، حيث يقيّم الخريجون مهاراتهم بمستويات مرتفعة، بينما يرى أصحاب العمل أن كثيرًا من هذه المهارات لا تزال بحاجة إلى تطوير، خاصة فيما يتعلق بالتطبيق العملي والقدرة على العمل ضمن فرق متعددة التخصصات.
وأشار إلى أن أكثر من 80 بالمئة من الخريجين الذين شملتهم الدراسة لم يتمكنوا من الالتحاق بوظائف مرتبطة بالطاقة، مبينًا أن ذلك لا يعكس ضعفًا في قدراتهم بقدر ما يعكس محدودية السوق المحلي وتشبع بعض الأنشطة، خاصة في قطاع الطاقة الشمسية، إلى جانب ضعف الترابط بين مؤسسات التعليم والقطاع الخاص.
وبين، أن المرحلة المقبلة تفرض إعادة توجيه برامج التعليم والتدريب نحو القطاعات التي ستشهد نموًا خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها الهيدروجين الأخضر، وتخزين الطاقة، وكفاءة الطاقة في القطاع الصناعي، والمباني الذكية، والتدقيق الطاقوي، وإدارة النفايات وتحويلها إلى طاقة.
وقال السلايمة: “التحول الطاقوي ليس مجرد إنشاء محطات للطاقة الشمسية أو الرياح، وإنما بناء اقتصاد جديد يعتمد على المعرفة والابتكار، وإذا نجح الأردن في الاستثمار بالمهارات الخضراء، فإنه لن يلبّي احتياجاته المحلية فحسب، بل سيكون قادرًا على تصدير الكفاءات إلى الأسواق الإقليمية التي تشهد توسعًا متسارعًا في مشاريع الطاقة النظيفة” .
وأضاف، أن تعزيز المهارات الخضراء سينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني، من خلال رفع إنتاجية الشركات، وتقليل الاعتماد على الخبرات الخارجية، وزيادة تنافسية الصناعات الأردنية، فضلاً عن جذب مزيد من الاستثمارات التي أصبحت تبحث عن أسواق تمتلك كوادر مؤهلة قادرة على تشغيل وإدارة التقنيات الحديثة.
وبين، أن لهذه المهارات بعدًا بيئيًا ومناخيًا لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، لأنها تمثل الأداة الأساسية لتنفيذ مشاريع خفض الانبعاثات، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والمياه، والحد من التلوث، وتمكين الأردن من الوفاء بالتزاماته الدولية المتعلقة بالتغير المناخي، مؤكدًا على ضرورة تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، وتحديث المناهج الدراسية بصورة مستمرة، وتوسيع برامج التدريب العملي، إضافة إلى توفير حوافز تشجع الشركات على الاستثمار في تدريب موظفيها واستحداث وظائف خضراء جديدة من جانبه، قال المختص في إدارة النظم الزراعية والموارد المائية في الجامعة الهاشمية الدكتور محمد صلاحات، إن التحول نحو الاقتصاد الأخضر أصبح يمثل فرصة اقتصادية حقيقية للأردن، وليس مجرد استجابة للمتطلبات البيئية أو الالتزامات الدولية، لاسيما أن العالم بات يشهد تغيرًا متسارعًا في طبيعة الوظائف، وأن الطلب على المهارات الخضراء يتزايد في مختلف القطاعات، الأمر الذي يستدعي الاستعداد منذ الآن لتأهيل الشباب الأردني بما يتناسب مع احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية.
وأوضح، أن الأردن يمتلك مقومات مهمة تؤهله للاستفادة من هذا التحول، وفي مقدمتها الكفاءات البشرية، والجامعات، والخبرات المتراكمة في قطاع الطاقة المتجددة، إلا أن الاستفادة من هذه المقومات تتطلب مواءمة أفضل بين سياسات التعليم والعمل والطاقة،وقال الصلاحات: “الوظائف الخضراء ليست وظائف بيئية فقط، بل هي وظائف اقتصادية تسهم في رفع النمو، وزيادة الإنتاجية، وجذب الاستثمار، وخفض معدلات البطالة، وفي الوقت نفسه تساعد على بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التغير المناخي” .
وأضاف، أن الاستثمار في المهارات الخضراء سيمكن الأردن للاستفادة من الفرص التي ستنشأ خلال السنوات المقبلة في مجالات الهيدروجين الأخضر، وسلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة النظيفة، والتصنيع الأخضر، وإعادة التدوير، مشيرًا إلى أن هذه القطاعات ستكون من أسرع القطاعات نموًا عالميًا، مؤكدًا أن نجاح الأردن في هذا المجال يتطلب تعزيز دور القطاع الخاص في التدريب والتشغيل، وتوفير حوافز ضريبية وتشريعية تشجع الشركات على الاستثمار في الوظائف الخضراء، إلى جانب توسيع برامج التدريب العملي للطلبة قبل التخرج.
وأشار الصلاحات إلى أن رفع نسبة مشاركة المرأة في الوظائف الخضراء يمثل أولوية، خاصة في ظل تفوق الطالبات في التخصصات الهندسية والعلمية، داعيًا إلى إزالة التحديات اللوجستية والاجتماعية التي تحد من انخراط المرأة في هذا القطاع.
واتفق السلايمة والصلاحات على أن المهارات الخضراء تمثل اليوم حجر الأساس لنجاح التحول الطاقوي في الأردن، وأن الاستثمار في الإنسان سيحدد قدرة المملكة على تحقيق أهدافها في أمن الطاقة، وخفض الانبعاثات، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل مستدامة للشباب خلال السنوات المقبلة.


