المجالس البلدية في سلطنة عُمان.. مسيرة 15 عامًا تتجدّد مع انطلاق الترشح للفترة الرابعة
حصريٌّ لـ«الصحوة» – تدخل المجالس البلدية في سلطنة عُمان مرحلة جديدة من مسيرتها المؤسسية مع إعلان وزارة الداخلية فتح باب الترشح لانتخابات الفترة الرابعة ابتداءً من اليوم، في محطة تعكس تطور هذا الكيان منذ نشأته وحتى اليوم، ضمن منظومة الإدارة المحلية التي تجمع بين التمثيل الانتخابي والإطار الحكومي المنظّم.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تجربة ممتدة، بدأت ملامحها الأولى قبل أكثر من خمسة عقود، حين شهدت العاصمة مسقط بدايات التنظيم البلدي الحديث عبر القانون رقم (1/1974) بشأن بلدية العاصمة، ثم المرسوم السلطاني رقم (8/1992)، وهي مراحل أرست الأساس الإداري للعمل البلدي، قبل أن تتبلور فكرة “المجلس البلدي” بصيغته الوطنية لاحقًا.
2011.. الانطلاقة الفعلية
شكّل عام 2011 نقطة التحول الأبرز في تاريخ المجالس البلدية، مع صدور المرسوم السلطاني رقم (116/2011) بإصدار قانون المجالس البلدية، الذي أسّس لأول مرة نظامًا وطنيًا متكاملًا بإنشاء 11 مجلسًا بلديًا، بواقع مجلس لكل محافظة، محددًا اختصاصاتها وتركيبتها وآليات عملها.
ومنذ ذلك الحين، اتخذت المجالس طابعًا “هجينًا” يجمع بين الأعضاء المنتخبين، وممثلي الجهات الحكومية بحكم مناصبهم، إلى جانب أعضاء يُعيّنون من ذوي الخبرة، مع بقاء دورها في إطار إبداء الرأي والتوصية والمتابعة أكثر من كونه سلطة تنفيذية مباشرة.
تعديلات وتحديثات
لم يتوقف الإطار القانوني عند حدود التأسيس، بل شهد سلسلة من التعديلات والتحديثات، بدءًا من مرسوم 2012 الذي أعاد ضبط رئاسة بعض المجالس، مرورًا بتعديل 2016 الذي عزّز مركزية إدارة العملية الانتخابية عبر وزارة الداخلية، وصولًا إلى التحول الأبرز مع صدور قانون جديد للمجالس البلدية بالمرسوم السلطاني رقم (126/2020).
وجاء هذا القانون في سياق إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتعزيز دور المحافظات، حيث نقل مركز الثقل التنظيمي إلى وزارة الداخلية، وأعاد صياغة تركيبة المجالس، مع اعتماد تمثيل ثابت بواقع عضوين منتخبين عن كل ولاية، بدل النظام السابق القائم على الشرائح السكانية.
كما شهدت المنظومة تحديثات إضافية في 2022، سواء عبر تعديل بعض مواد القانون، أو إصدار لوائح تنفيذية وتنظيمية جديدة، كان أبرزها إدخال التصويت الإلكتروني عن بُعد عبر الهواتف الذكية، في خطوة عكست توجهًا نحو التحول الرقمي في العملية الانتخابية.
محطات انتخابية
وعلى صعيد الممارسة الديمقراطية، شهدت المجالس البلدية ثلاث دورات انتخابية منذ تأسيسها، بدأت في 2012 بنسبة مشاركة بلغت نحو 50.3%، ثم تراجعت إلى 39.85% في انتخابات 2016، واستقرت عند قرابة 39.4% في انتخابات 2022. ورغم ذلك، استمرت التجربة في التطور، سواء من حيث توسيع أدوات المشاركة، أو مراجعة الأطر التنظيمية، أو تعزيز كفاءة الأداء من خلال التوصيات والدراسات واستطلاعات الرأي التي استهدفت قياس رضا المجتمع عن دور هذه المجالس.
نحو الفترة الرابعة
ومع فتح باب الترشح للفترة الرابعة، دعت وزارة الداخلية الراغبين في خوض الانتخابات إلى تقديم طلباتهم إلكترونيًا عبر تطبيق “انتخاب” أو الموقع الرسمي، مستوفين شروط الترشح المنصوص عليها في قانون المجالس البلدية، والتي تشمل الجنسية العُمانية، وألا يقل العمر عن 30 عامًا، وحسن السيرة والسلوك، والمؤهل العلمي، وعدم الجمع مع عضوية مجلسي الدولة أو الشورى أو العمل في الجهات الأمنية أو العسكرية.
وتعكس هذه الشروط، إلى جانب المسار الإلكتروني الكامل للعملية، توجهًا نحو تنظيم أكثر دقة وشفافية، يواكب التطورات الإدارية والتقنية التي شهدتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن المجالس البلدية لا تزال في جوهرها مجالس استشارية تُعنى بإبداء الرأي والمقترحات ومتابعة الخدمات والتنمية المحلية، إلا أن مسيرتها الممتدة منذ 2011 وحتى اليوم تُظهر مسارًا تدريجيًا نحو تعزيز دورها في الحوكمة المحلية، وربطها بشكل أوثق بالمجتمع.
ومع انطلاق الترشح للفترة الرابعة، تقف هذه المجالس عند مفترق جديد، بين تراكم الخبرة المؤسسية، وتطلعات المجتمع إلى دور أكثر فاعلية وتأثيرًا في رسم ملامح التنمية على مستوى المحافظات والولايات.





