... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
311559 مقال 217 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6215 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 8

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/05/04 - 08:14 502 مشاهدة


بقلم / مهدي امبيرش


يبدو أن إحساس الإنسان بالقذارة الداخلية قد رسخ فيه الرغبة في التطهر، وأن هذا الإحساس الداخلي قد أعطى تفسيرًا لظاهرية التطهر، والتطهير باعتبار شعور الإنسان بالنقص والرغبة في تجاوز المحدود والفكرة الأخيرة يمكن أن نقرأها في قصة آدم عليه السلام التي قلنا إنها محطة في تقدم الوعي عند آدم، الإنسان، وزوجه، وقد علما أنهما مستخلفان في الأرض، وهذا الاستخلاف كان من المفترض أن يفهم منه أنه خلود لهما من خلال نسلهما.
يبدو أن تعلم آدم الأسماء وهي ضمن ما يعرف اليوم بنظرية المعرفة في العلاقة بين الاسم والمسمى، ولكنها تبقى بهذا المنظور محدودة ومنطقية، الأمر الذي يستدعي كي يتخلص آدم وزوجه من مشيئة الاستخلاف في الأرض أن يبقيا في الجنة، وهو ما أعطى إبليس فرصة للوسوسة، وإن الله لم يكتب لهما الخلود عندما حرَّم عليهما الشجرة، على أساس أن الأكلة من ثمرة من ثمارها ستحقق لهما الخلد والملك الذي لا يبلى، ومن ثم نسيا تحذير الله لهما من الاقتراب منها ومن الاستماع إلى عدوهما إبليس، كما نسيا أنهما في وجودهما ومصيرهما مرتبطان بالأرض. ولكن لا نفهم من ذلك كما يقول اللاهوت الثيولوجي أن الجنة في السماء، وهو اللاهوت الذي بنيت عليه عقيدة النصرانية المحرفة عن الإنجيل الذين يرون أن الله في السماء، وأن آدم سقط من الجنة يحمل معه ما يسمى بالخطيئة الأصلية، في حين أن القرآن الكريم يصلح هذا الفهم الخاطئ فالجنة على الأرض، ولكنها جُنَّة على آدم وزوجه وعلينا، وأن آدم هبط من الجنة ولم يسقط من السماء، والهبوط غير السقوط، فالجنة في ربوة عالية، وكان إسكان آدم وزوجه الجنة إسكانًا مؤقتًا، ربما لإعدادهما لمواجهة الحياة الشاقة على الأرض.
ولكن تبقى العودة إلى الجنة حلمًا قائمًا عند بني آدم إلى يوم القيامة، وإن كانت هناك محاولات محدودة لإقناع الإنسان بوهم استردادها قبل يوم البعث، ومصطلح الخطيئة الأصلية وشعور الإنسان بالقذارة كان وراء الكثير من الأفعال والمواقف والأفكار في صورة مفكرين ومدارس فكرية حيث برزت الثنائية في القول بالسماء والأرض لتتماشى مع فكرة ثنائية الطاهر والمدنس الذي ربط بثنائية السماء والأرض أو المجرد والمادي، وكل الثنائيات الأخرى التي سوف نكشف عنها من خلال منهج التفكير ومن خلال التعبير عن الأفكار التي أشرنا إليها على القول بثنائية الظاهر والباطن وفي اللغة بثنائية الاسم والفعل ومن ينتصر إلى الاسم على أنه المقدس، ويقلل من أهمية الفعل، وأن يرى على العكس أن الحقيقة هي في الموجود المدرك والمتعين وتغليب جانب الفعل، فالأول يوصف بالمثالية والثاني يوصف بالوضعية، وكان أسلوب الأول في الطهارة هو المعراج والصعود إلى السماء بعد التخلص من الجسد والكثافة، في حين يرى الآخر أن الحقيقة هي ممكنة الإدراك عن طريق الحواس والتأكد من ذلك بالتجربة.
على أن القائلين بإمكانية بلوغ الحقيقة على أنها الوضعي والمتجسد علاوةً على أنه أوجد إما الإلحاد وإنكار المفارق أو الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة على أساس أن الإنسان نفسه جزء من هذه الطبيعة تسري عليه قوانينها، وأنه ما لا يمكن إدراكه هو وهم ميتافيزيقي، وجاء نتيجة ذلك ما عرف حديثًا بمصطلح (secularism) التي ترجمت خطأً إلى العربية على أنها العولمة، في حين أنها الأرضنة أو الأرضانية نسبة إلى الأرض، وأن الوضعيين هم الذين يرون أن القوانين التي تنظم حياة الإنسان هي قوانين وضعية، وأنها ممكنة التحقق، وبدل القول بالمعرفة المفارقة بالسماء أو ما بعد الطبيعة صار الاقتصار على كل الموجود الوضعي، أي الذي يتخذ وضعًا ويشغل حيزًا، أو المتشيأ، وأن هذا المتشيأ سيفهم من خلال المباطنة، أي أن له ظاهرًا وباطنًا، وهو ما يعرف بالفينومينولوجيا (phenomenology) والجزء الأول من المصطلح يقدم على أنه الظاهر من الشيء ذاته أو من (النومين) (noumenon) حيث الحقيقة ستكون مباطنة، والجهد لإدراك الحقيقة سيكون بالاتجاه إلى الداخل أو الحفر الأركيولوجي.
كما في الماركسية أو التأويل على أساس أن النومين هو الأول مقابل الإله المفارق في السماء وهو الذي نقول عنه في بروز مدرستَيْ المثالية الألمانية والوضعية الفرنسية والتجريبية الأنجلو أمريكية على أنها ليست بهذه الحدة في التقسيم فهناك فيزقراطيون في المثالية الألمانية، وهناك مثاليون في الوضعية الفرنسية والتجريبية الأنجلو أمريكية.
هنا نعود ضمن مبحث التطهير واللاهوت لإعادة القراءة في المدرسة اليونانية المثالية، ونقصد بها مدرسة سقراط وأفلاطون التي هي واحدة من ثلاث مدارس: هي الطبيعية الفيزوقراطية عند الإغريق الذين عاشوا في مستعمرتهم في آسيا الصغرى، وهؤلاء الآباء المؤسسون للمدرسة الطبيعية الوضعية اليوم، ربما يجعلنا نقول إن كل الفكر فكر معاصر، وإن أزمة آدم وزوجه لم تجد حلًا إلى اليوم ولا نظنها سيجد الإنسان لها حلًا ، فمسار الفكر إلى الساعة يدور بين المثالية والوضعية أو اللاهوت القديم في ثنائية السماء والأرض أو المقدس والمدنس أو الإلهي والبشري أو اللاهوت والناسوت أو شريعة الإله أو شريعة البشر.
ولنا أن نقول إن تصور الفراغ في اللاهوت القديم على مستوى المعرفة قد فرض عند الكثيرين البحث عن الوسيط الذي قرأناه في شخصية تحوت المصري الوسيط بين فرعون الإله والشعب، والذي ذكره أفلاطون في محاورة فيداروس التي استعارها الإغريق في صورة هرمس الذي ينقل لغة الإله المجردة أو الطاهرة إلى الأرض، فيكون هرمس نصف الإله الذي له القدرة على نقل تعاليم الإله المجردة إلى الشعب المادي التي هي نفسها والتي نقرأها في الإدارات اليوم باسم أمين السر أو السكرتير من المصطلح (secret)، فالمدير الأعلى أو الملك أو الحاكم لا يتحدث إلى الناس بل يقوم السكرتير بنقل هذه الأسرار أو هذه اللغة المجردة أو الرمزية أو لغة الإشارات إلى البشر.
وضمن طقس التطهير يمكن أن نقرأ عملية الترشيح أو الانتخاب النيابي على أنه تطهير لهذه النخبة من السواد أو الدهماء، حتى أن لعبة لغة الديماغوجيا في إيهام الجماهير أنها الإله الجديد على الأرض وأنه الذي يستخرج النخبة أو الصفوة بدل أن يتعامل الحاكم أو الإله الجديد مع البشر كما يمكن أن نقرأ ضمن المصطلحات السياسية ما يعرف بالتقسيم الطبقي، حيث تقوم الطبقة الوسطى بلعب دور الوسيط أو البرزخ بين الحاكم المقدس والإلهي والجماهير، وبعبارة أوضح إن فكرة الثالوث (trinity ) جاءت نتاج الثنائية (dualism) القديمة المتجددة، وهذا ما يؤكد مقولتنا إن كل الفكر فكر معاصر، وإن مصطلح الصفوة لا يفهم إلا ضمن طقس التطهير، بل إن الصوفية نفسها محاولة لإضعاف الجسد، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى الصوفية القديمة كالشامانية الهندية والأورفية والإيليسية والفيثاغورثية، والأخيرة نسبة إلى فيثاغورث الذي انتصر للأعداد المجردة ضمن طقس التطهير، حيث لغة الرياضيات القديمة المتجددة اليوم إنما تقع ضمن طقس التطهير، حيث العدد مجردًا هو الطاهر لتجرده من المادة.
ويمكن القول إن ما يسمى اليوم بلغة الأعداد ليست إلا تعبيرًا عن عجز المادية الوضعية عن إدراك الحقيقة مثلما عجزت المادية والوضعية في إسكتلندا وإنجلترا والطبيعية الفرنسية، فظهر فلاسفة ومفكرون مثاليون وسط هذه الوضعية الطبيعية، وسوف نتوقف عندهم في مداخلات قادمة، هنا لابد أن نعود مرة أخرى إلى قراءة مثالية سقراط وأفلاطون أو صوفيتهما التي عبرت عن أزمة معرفية ظهرت من خلال ما عرف بالأفلاطونية الجديدة والفيثاغورثية الجديدة في مواجهة المنطق الطبيعي عند الطبيعيين الأوائل أو تحول المعراج الأفلاطوني إلى شبه حلولية أرسطية برزت في الخلاف بين ابن رشد والغزالي وأوغسطين وتوما الأكويني ضمن ما ذكرنا إنه الأزمة المعرفية التي تراوح بين المادية والمثالية أو البحث عن وسيط أو الثالوث الجديد في القانون من خلال أطروحة الفرنسي مونتسكيو في ثالوث تقسيم السلطات.
كما سنتوقف عند الخميائيين في لعبة تطهير تقول بإمكانية تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وهي نفسها ترشيح أو تطهير النواب لما يسمى البرلمان الذي يحمل اسمه الأزمة المعرفية والخطاب والذي يتم من خلال التصويت تنازل الجماهير عن ألسنتها، هذا الإله الجديد الذي يعطي صلاحية للنواب ليتحدثوا باسمه.

The post اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 8 appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤