رامز كبيبو
إذا أراد باحث أو صحفي أو قارئ سوري أن يفهم شيئًا من طريقة تفكير شريحة من العلويين السوريين خلال أحداث ما بعد عام 2011، فقد لا تكفيه الدراسات السياسية والتقارير العامة وحدها. أحيانًا تكون سيرة قرية صغيرة، مكتوبة من داخلها، أكثر قدرة على فتح أبواب لا تفتحها التحليلات الكبرى.
من هذه الزاوية أرى أن كتاب “الكنديسية قريتي” للدكتور أمين كبيبو يستحق القراءة.
الكنديسية قرية علوية فلاحية صغيرة في الشمال السوري. والكتاب في جانب كبير منه كتاب محلي وعائلي: ذاكرة للقرية وعائلاتها وشخصياتها، ولعلاقات أهلها بعضهم ببعض وبالقرى المحيطة، ولحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ثم لما أصابهم عندما دخلت سوريا مرحلة الثورة والحرب والنزوح والانقسام.
لا أقدم الكتاب بوصفه تاريخًا محايدًا للأحداث السورية، ولا باعتباره رواية تمثل العلويين جميعًا. فالعلويون، كغيرهم من السوريين، ليسوا كتلة سياسية أو اجتماعية واحدة، ولا يمكن اختصار تجربتهم بكلمات من قبيل “حاضنة النظام” أو “الطائفة الموالية”. هذه التسميات قد تصف جانبًا سياسيًا من الواقع، لكنها لا تكفي لفهم مجتمع كامل بما فيه من اختلافات ومخاوف وعلاقات وتجارب شخصية.
قيمة “الكنديسية قريتي” أنه يقدم صوتًا من الداخل.
حين يكتب أمين كبيبو عن أحداث ما بعد 2011، فإنه لا يكتب كباحث يقف خارج المشهد، بل كابن قرية يرتبط بها عاطفيًا ويرى وطنه وقريته وأهله ومحيطه يدخلون جميعًا في المجهول. ومن هنا يمكن للقارئ أن يقترب من بعض الأسئلة التي شغلت أبناء بيئة علوية ريفية في تلك المرحلة: ممّ كانوا يخافون؟ كيف فهموا الثورة والمعارضة المسلحة؟ كيف نظروا إلى الجيش وإلى لجان الدفاع الوطني؟ وكيف تحول الخوف على الأهل والقرية إلى خيارات ومواقف سياسية؟
أنا شخصيًا أختلف مع عمي أمين في جوانب أساسية من تفسير تلك المرحلة، لكن الاختلاف مع صاحب الشهادة لا يلغي قيمة شهادته.
بل لعل أهمية الكتاب تكمن في أنه يسمح لنا بأن نرى الأحداث كما رآها شخص عاشها من موقع قد نختلف معه جذريًا. وفي “الكنديسية قريتي” نجد بشرًا، لا كتلة طائفية مجردة. نجد عائلات وذكريات وجيرانًا، ونجد الخوف والحزن والغضب والحنين والارتباط بالأرض. وهذه المادة الإنسانية هي ما يحتاج إليه من يريد أن يفهم الآخر، لا أن يكتفي بإدانته أو تصنيفه.
ومن الجوانب التي أقدرها في الكتاب أن المؤلف لا يخفي أيضًا وجود انتقادات داخل الكنديسية لسلوك لجان الدفاع الوطني، ولا يقدم كل ما صدر عن المعسكر الموالي للنظام بوصفه صائبًا أو منزهًا عن الخطأ.
كما يروي عن اجتماع لشباب من القرية في مرحلة شديدة الحساسية، وكان موقفه، كما أفهمه، رافضًا لأن يتحول أبناء الكنديسية إلى قوة أهلية مسلحة مستقلة تدخل في مواجهة مباشرة مع محيطها. وأرى أن هذا الموقف يستحق الإشادة بوضوح.
فقد أسهم، بحسب تقديري، في تجنيب القرية وأبنائها كثيرًا من الدم والثارات، وفي إبقاء عدد من شبابها بعيدين عن الاقتتال المباشر، وأقرب إلى الدراسة والعلم والثقافة والفن والحياة المدنية. وفي مرحلة كانت فيها سوريا تتجه بسرعة نحو عسكرة المجتمع، لم يكن ذلك أمرًا بسيطًا.
وفي المقابل، تبقى في تاريخ الكنديسية أسئلة تحتاج إلى بحث وتوثيق أكثر دقة: من قام بتعفيش القرية؟ ما الدور الفعلي لبعض أبناء المنطقة المنخرطين في لجان الدفاع الوطني؟ وكيف أثرت المواجهات والعمليات المسلحة في علاقتها بالقرى المجاورة، وخصوصًا السكرية؟ وما الذي دفع الأطراف المختلفة إلى اتخاذ قرارات انتهت بنزوح السكان وتبدل طبيعة العلاقة بين الجيران؟
طرح هذه الأسئلة لا ينبغي أن يكون بهدف إدانة جماعة أو طائفة، بل بهدف فهم ما حدث، ومراجعة التجربة، ومنع تكرارها.
لهذا أنصح بقراءة “الكنديسية قريتي”. ليس لأنه يقدم “حقيقة العلويين”، فلا توجد حقيقة واحدة لمجتمع كامل، بل لأنه يقدم تجربة محلية صادقة من داخل قرية علوية، ويتيح نافذة إلى عالم اجتماعي ونفسي وسياسي قلما نقرأه بهذه التفاصيل من الداخل.
من يريد أن يعرف لماذا اتخذ بعض العلويين المواقف التي اتخذوها خلال سنوات الحرب، ولماذا رأوا الأحداث بالطريقة التي رأوها، يمكن أن يبدأ من هنا: من قرية صغيرة، ومن ذاكرة رجل أحب قريته وكتب عنها بحزن وحنين وخوف وانتماء.
وسوريا بحاجة اليوم إلى قراءة روايات بعضها بعضًا، لا لكي نتبناها جميعًا، بل لكي نفهم لماذا اختلفنا إلى هذا الحد.
فالفهم لا يلغي الاختلاف، لكنه قد يساعد على أن يعود الجيران جيرانًا، والأهل أهلًا، والسياسة اختلافًا يمكن احتماله، بدلًا من أن تصبح مرة أخرى سببًا للحرب والدم.





