... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
212274 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6872 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

الخوارزميات والذكاء الاصطناعي .. كيف تُصنع الحقيقة وتُدار العقول رقميا؟

العالم
هسبريس
2026/04/19 - 01:00 502 مشاهدة

ما علاقة النزعات التسلطية بتدهور اللغة ومَلَكات التفكير؟ كيف تقوم خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الذكاء الاصطناعي بتكييف الأذهان، وتوجيه العقول، والتأثير على الاختيارات والمواقف؟ هل ما يزال من الممكن بناء حقائق اعتمادا على الحوار والتداول والإنصات المتبادل وتقاسم أفضل الحجج؟ وما هي حظوظ التفكير النقدي، ودور العمل السينمائي على كشف ما يتعرض له الإنسان اليوم من استلاب، وضياع، واستعْباد؟

في كتابه “بحث في الحريات” ، وفي سياق تحليله لمظاهر التوتاليتارية ومقتضيات النظام الديمقراطي، اعتبر ريمون آرون أن جورج أورويل “عرف كيف يحافظ على فكر أخلاقي في قرن من دون أخلاق”. لقد وقرَّر وضع مسافة مع التضليل في زمن هيمنت فيه الإيديولوجيات بشكل مُدوٍّ، وسادت فيه أكاذيب السياسة ومختلف أشكال المساومة. وحين تحدث آرون عن الأخلاق فإنه لم يكن يقصد أن أورويل وجَّهته مرجعيات دينية أو تشبَّث بقيم مُجردة، وإنما أكد على الوضوح الفكري والسياسي الذي أصر عليه بخصوص الوفاء للحقيقة الواقعية، وشجبه المبدئي لسخافة النفاق السياسي، ولانسجامه بين قناعاته ومضامين رواياته وكُتبه. فهو لم يكُف عن التأكيد على أن مبدأ الحرية ذاته يجد في وضوح الكلام والالتصاق بالوقائع أفضل السبل لتحقُّقه وتصريفه.

لم يقتصر أورويل على كشف بنية النظام التوتاليتاري، وتبيان منظومة الخداع التي يستخدمها للحفاظ على السلطة وممارسة السيطرة كما كشف عن آلياتها في روايته “1984” فقط، سواء أتعلق الأمر بالفاشية أو بالستالينية التي كاد أن ينكوي بنارها في مشاركته في حرب إسبانيا ما بين سنتي 1939 -1936؛ بل إنه سبق له أن أدان، بشكل تنبُّئي، تمظهرات التوتاليتارية المُؤسَّسة على الاستخدام والتضليل بفضل التكنولوجيا في روايته “مزرعة الحيوانات” التي ألفها سنة1945 .

والظاهر أن زمن العالم الذي نعيش فيه اليوم يستدعي ما يتيحه هذا النوع من الكتابات الأدبية من انفتاحات عمل أصحابها على الجمع بين قدرتها على كشف الوقائع ووصفها وتشخيص تناقضاتها وتهافتها، وعلى التنبؤ بما يمكن أن يحصل للعالم في فترات التوتر والجموح السياسي نحو التسلطية والتحكُّم، والنزوع إلى التهديد العسكري وإشعال الحروب، واللجوء إلى نهج سياسات البطش وممارسة الشر.

اقتبس العديد من المخرجين موضوعات أفلامهم من روايات جورج أورويل، حيث كانت رواية 1984 موضوعا لمسلسل بنفس العنوان أخرجه للتلفزيون البريطاني بول نيكل Paul Nickel سنة 1953، وفيلم “الأخ الأكبر” Big Brother (1956) أخرجه مايكل آندرسون Michael Anderson، كما أخرج مايكل رادفوردMichael Radford فيلما بنفس العنوان سنة 1984. أما رواية “حديقة الحيوانات” فقد قام جون هالاس John Halas سنة 1954 باقتباسها وإخراج فيلم بطلب وتمويل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA)) في إطار الهجوم الشرس للمكارثية على المبدعين والكتاب النقديين في أمريكا، والذين تعرضوا لأشكال بطش وقمع في إطار الحملة الدعائية ضد الشيوعية. وقد تضمن الملصق الإشهاري للفيلم شعارا كان له صدى كبيرا يقول: “تضحكون كثيرا، ستبكون قليلا”. أما البريطاني آندي سركيس Andy Serkis فقد أنجز فيلما من نوع أفلام التحريك بنفس عنوان الرواية سنة 2025.

في سياق المسار السينمائي و”النضالي” الذي اختاره المخرج الهايتي “راوول بيك” Raoul Peck أنجز فيلما بعنوان “أورويل 5=2+2” (2025). وقد أخرج قبله عددا من الأفلام القصيرة، والروائية والوثائقية، تندرج كلها ضمن انخراطه في كشف آليات الاستعباد والاستغلال التي تعرضت له الشعوب المستعمَرة، وما تتعرض له من نهب لثرواتها من طرف الرأسمالية. فهو يعتبر أن السينما حقل إبداعي يجب أن يكون سلاحا للنقد، والكشف، والإدانة، والدفاع عن الحرية والحقيقة. لذلك أخرج فيلمين عن باتريس لومامبا روائي ووثائقي، وفيلم بعنوان “كارل ماركس الشاب”، ثم “لست زنجيا” عن حياة ومعاناة الكاتب الأفروأمريكي جيمس بالدوين، وغيرها من الأفلام. وتظهر على أعماله تأثيرات واضحة للاختيارات الإخراجية للفرنسييْن كريس ماركر Chris Marker وجان لوك غودار Jean Luc Godard، خصوصا في فيلميه “اشتراكية” و”كتاب- صورة”، وإن كان هذا الأخير يفضل قراءة التعليق اعتمادا على ذبذبات صوته المترنحة شخصيا.

عرض راوول بيك في فيلم “أورويل: 5=2 + 2″، قراءة فيلمية خاصة لرواية أورويل من خلال القيام بعملية تركيب بين أحداث مضت وبين ما يعرفه الحاضر من قصف لا متوقف من الصور والأخبار الكاذبة. يتعلق الأمر بجملة قضايا تناولها أورويل في روايته بأسلوبه التخيُّلي، ومنها بالأساس ما تقوم به النخب والسلط المتحكمة في العديد من البلدان لتغيير معاني الكلمات، وخلق الغموض، وإنتاج التضليل في أوساط المجتمع لدرجة تصل فيها هذه السلط إلى إلزام الناس باعتبار أن 5=2 + 2. كما يبرز كيف أن تدهور اللغة مُقدِّمة لإنهاك الديمقراطية، ما دام الإفراغ التدريجي للكلمات من معانيها ينتج بلاغة تفرض ذاتها، بطرق مُسترسلة ومكرورة، لدرجة يصل فيها الناس إلى قبول ما لا يقبل.

باعتماده على أرشيف غني ومتنوع وعلى انتقاء نصوص جورج أورويل وقراءة مباشرة لها، لخدمة سرده السينمائي، قام راوول بيك بتركيب مستندات بصرية متنوعة الموضوعات من ووثائق أخبار وحوادث، ولقطات أفلام اقتبست روايات أورويل، ومتواليات من أرشيف عن الحرب العالمية الثانية وحرب الفيتنام، وصور هتلر، وستالين إلى ما يشهده العالم، اليوم، من مشاهد حرب وعنف وتدمير، وتُبين مظاهر البطش والقمع البوليسي لمظاهرات احتجاجية، والأساليب الجديدة لتعبيرات العنصرية وصعود لليمين المتطرف.

ولكي يُفهَم الحاضر على ضوء بعض أحداث الماضي قام راوول بيك بالترحل في فترات شهد فيها التاريخ تراجيديات كبرى، وتعرض لحروب جارية كما هو الحال في أوكرانيا، وغزة، وهايتي، واليمن، وساحات حرب وعنف أخرى، متوقفا عند أساليب التضليل للتغطية على الجرائم ضد الوعي، والعقل، والوجدان، والذوق التي ترتكبها صناعات الإشهار، ومواقع التواصل الاجتماعي، والخداع السياسي الذي تقوم به الخوارزميات المبرمجة من طرف سادة العالم الجدد اليوم. كما خصص راوول بيك متواليات عدة للانتهاكات الوحشية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة، معتبرا أن هذه الحرب تستدعي، بقوة، استحضار أفكار أورويل حول السيطرة، وجريمة الفكر بسبب السردية التي تنتجها الجيوش الإلكترونية التي تُعبئها إسرائيل لتزييف الحقائق، وتزوير التاريخ، وكشف عدائها الفاضح للإعلام بقتلها لأكبر عدد من الصحفيين في تاريخ الحروب، وممارسة الرقابة المُعممة على كل شيء، والكذب على العالم كله بالتنصل الدائم من الالتزامات، وانتهاك القوانين الإنسانية كافة، مستفيدة في ذلك من الدعم اللامشروط للولايات المتحدة الأمريكية وحمايتها، ومن التواطؤ الأوروبي الذي تتمتع به، لا سيما من طرف ألمانيا وفرنسا وإنجلترا.

لقد اعتبر أورويل أنه كلما ساءت وضعية اللغة والتبست استعمالاتها تبلَّد العقل والتبس معه الفكر، سواء عند السياسيين، أو الكتاب، أو في المحادثات اليومية؛ بل إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد لأن أورويل تصوَّر أن التوتاليتارية تنتعش كلما اعتاد الناس على تدهور اللغة واستسلموا له. وهو ما يترتب عنه، حتما، تعليق الحرية والحد منها، وتراجع الجهر بالحقيقة. من هنا حاجة السلطة الدائمة إلى تفقير اللغة، واستعمال قاموس بديل للحد من التفكير أو منع الناس على القيام به، ما دام يشكل خطرا مباشرا على السلطة وتهديدا لها.

يتعلق الأمر بإرادات واضحة لإفساد اللغة من أجل تبلُّد الأذهان وتبرير البشاعة للتغطية على تمظهرات التوحُّش الجديدة، وعلى أشكال الشر التي تنهجها دول لنزع الإنسانية على الإنسان. في ضوء ما يعيشه العالم من انزلاقات وأساليب تضليل لممارسة السيطرة والضرر، لم يعد البُعد الديستوبي Dystopique لعوالم رواية جورج أورويل خياليًا تماما، كما يظهر فيلم راوول بيك، ما دامت النخب السياسية في أغلب البلدان تستعمل المنطق ضد المنطق، وتتنصل من الأخلاق في الوقت الذي تدعي الالتزام بها، وتتضايق ممن لهم أفكار وتقمع من يجهرون بالنقد في الوقت نفسه الذي تدعي فيه التزام حرية الرأي، حيث تستثمر في ترسانة إعلامية ودعائية هائلة للتمكن من عقول الناس وذاكرتهم، وتوجيه إدراكهم للواقع بالشكل الذي تمليه عليهم، وتُقدم الأكاذيب وكأنها حقائق، طالما أن الغاية الأسمى تتمثل في الحفاظ على السلطة والسيطرة دونما اكتراث بوجود الآخرين ومصالحهم؛ بل ومنهم من يغطي على هذا النزوع الافتراسي بكونه يقوم بذلك بناء على “تفويض” ديني، كما يدعي ذلك السيد دونالد ثرامب.

استلهم راوول بيك، في فيلمه “أورويل: 5=2 + 2″، نصوص أورويل واستحضرها من خلال التعليق، ودعَّمها بصور ووثائق بصرية وسمعية اعتبرها تمثيلية لِما يشهده العالم من عبث، واستهتار بإنسانية الناس الذين أصبحوا يتحركون كآلات لا روح، ولا عقل ولا وجدان لها. مع تنبيه واضح إلى أننا بلغنا مراحل انحلال ظاهرة وتدميرا للمجال العام حيث تستأسد قوى تعمل كل ما تملك من مواقع ومنصات وقوة لفرض رواية واحدة و”حقائق” يعبر عنها أفراد يستعملون اللغة بالطرق التي يريدون وفي الوقت الذي يختارون ضمن مجتمع يزداد مراقبة، وترصُّدا، ومحاصرة للحريات. فضياع قيمة اللغة تمثل إيذانا بالتضييق على الديمقراطية وإضعافا للآليات التي تسمح بها للاعتراض والمحاسبة والنقد.

وفضلا عن العمل التركيبي القوي الذي أنجزه راوول بيك سينمائيا في فيلمه فإن رسالته، وهو من المخرجين الذين يُصرون على الجهر بأفكارهم ومواقفهم، تدعو إلى تكسير جدار الخوف، وإلى عدم التنازل عن مهام الشك والتفكير والمساءلة، والاحتراس من استراتيجيات التضليل والخداع التي تتستر وراءها قوى تحركها مصالح ضخمة وإرادات تحكُّم غير مسبوقة.

ولعل المشهد الأخير للفيلم يكثف كثيرا من دلالات هذا العالم، حيث يصور المخرج متجرًا عصريًا ضخمًا (مول) بواجهاته المُغرية، وألوانه الجاذبة، وصُوره الساحرة تُرسل من كل جوانبه الشعارات الخادعة الثلاثة التي أقام عليها جورج أورويل بناء روايته 1984: الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة. وكأن راوول بيك بهذه اللقطة الواسعة يكثف المفارقات التي استوطنت عوالمنا الواقعية منها والافتراضية، وترسم بعض معالم السجن الذهني والوجودي الذي يتعين الانتباه إلى ضرورة الوعي بأغلاله للتحرر منها.

The post الخوارزميات والذكاء الاصطناعي .. كيف تُصنع الحقيقة وتُدار العقول رقميا؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤