في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الصراع الدائر وأهدافه الحقيقية. هل نحن أمام مواجهة تقليدية بين أطراف متنازعة، أم إن هناك هندسة استراتيجية أعمق تسعى إلى جرّ قوى إقليمية رئيسة إلى صراع طويل ومكلف؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل بات يفرض نفسه مع تزايد مؤشرات الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تشمل دول الخليج.
لا تبدو المخاوف من انخراط دول الخليج مجرد افتراضات تحليلية، بل تحذيرات صريحة تتقاطع مع قراءات عدد من المحللين. فقد حذّر الكاتب الكويتي عبدالله النفيسي، في مقابلة حديثة، من وجود ما وصفه بـ"محاولة إسرائيلية لتوريطنا لنكون شريكا صغيرا في الحرب"، في إشارة واضحة إلى ديناميكيات استدراج قد تدفع دول الخليج إلى قلب المواجهة دون أن تكون طرفاً أصيلاً في قرارها.

ويتقاطع هذا الطرح مع ما أشار إليه رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية قطر، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حين قال إن "الجميع يعلم من هو المستفيد من هذا الصراع"، وهي عبارة تختزل جوهر الإشكالية، فالحروب في المنطقة لا تُدار فقط بين أطرافها المباشرين، بل ضمن حسابات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى.
إذا تتبعنا نمط إدارة الصراعات في الشرق الأوسط فهو يكشف أن بعض الحروب لا تُخاض بهدف الحسم، بل تُدار بهدف الإطالة والاستنزاف. وضمن هذا الإطار، يصبح احتمال إدخال دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران تطوراً يخدم معادلة استراتيجية معقدة، تقوم على إنهاك قوتين إقليميتين رئيستين في آن واحد، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة شاملة.
وهنا تبرز آليات الاستدراج التي تعمل عبر استغلال المناطق الرمادية مثل المضائق البحرية والبنية التحتية الحيوية والفضاء السيبراني، حيث يصبح التصعيد محكوماً بحسابات دقيقة تهدف إلى دفع الأطراف تدريجياً نحو نقطة لا يستطيعون معها التراجع دون ثمن سياسي باهظ.








