... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
142334 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3875 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

القدس في عهدة الهاشميين… حين يتحرك الأردن بصمت الدولة لا بضجيج الشعارات #عاجل

العالم
jo24
2026/04/10 - 05:31 501 مشاهدة

كتب - زياد فرحان المجالي
في زمن إقليمي مثقل بالحروب المفتوحة، والهدنات الهشة، والخرائط التي يعاد رسمها تحت النار، لا تبدو القدس مجرد ملف من بين ملفات المنطقة، بل اختبارًا دائمًا لصلابة الموقف، وعمق الرؤية، وقدرة الدولة على حماية ما يتجاوز السياسة اليومية إلى التاريخ والهوية والشرعية. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تبرز المتابعة الهاشمية لملف القدس باعتبارها واحدة من أكثر صور العمل السياسي اتزانًا ووضوحًا؛ متابعة لا تقوم على الانفعال، ولا على المزايدة، ولا على استثمار المقدس في الخطاب، بل على إدراك عميق بأن الخطر على القدس لا يتحرك دائمًا في صورة انفجار كبير، بل كثيرًا ما يتقدم بخطوات متدرجة، صامتة، لكنها شديدة الأثر.

ما ورد في التقرير اليومي للجنة الملكية لشؤون القدس لا يندرج في إطار المتابعة الإجرائية أو التوثيق الروتيني، بل يكشف عن بنية موقف متكاملة تقودها الدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني. فحين يشدد الملك، في لقائه مع رؤساء وزراء ومسؤولين سابقين، على أن إسرائيل استغلت ظروف الإقليم لتوسيع الصراع، وأن الأردن مستمر في تذكير المجتمع الدولي بضرورة إبقاء التركيز على الضفة الغربية والقدس وغزة، فهو لا يطلق موقفًا سياسيًا عابرًا، بل يضع إصبعه على جوهر المسألة: أن أخطر ما يمكن أن يحدث للقدس هو أن تُدفع إلى هامش الانشغال الدولي، بينما يُعاد تشكيل الوقائع على الأرض ببطء وثبات.

هذه ليست مجرد قراءة سياسية، بل رؤية دولة تعرف أن الزمن في القدس ليس محايدًا. فالمدينة لا تتعرض فقط لاعتداءات مباشرة أو لقرارات فجائية، بل تواجه أيضًا استراتيجية تراكمية تقوم على فرض الأمر الواقع تدريجيًا، وعلى اختبار حدود الصمت الدولي، وعلى الاستفادة من انشغال العالم بملفات أكبر ظاهرًا، كي يتم تمرير ما هو أخطر في العمق. من هنا، فإن التحذير الأردني من أي محاولات لضم أجزاء من الضفة الغربية أو تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس والمقدسات، لا يأتي من باب الاستباق الخطابي، بل من قراءة دقيقة لمسار طويل أثبت أن الوقائع تبدأ صغيرة، ثم تتحول بمرور الوقت إلى بنى يصعب تفكيكها.

وإذا كان كثيرون يتعاملون مع ملف القدس بمنطق اللحظة، فإن الأردن يتعامل معه بمنطق المسؤولية التاريخية. وهذا هو الفارق الجوهري. لأن الدولة التي تحمل وصاية على المقدسات لا تستطيع أن تنظر إلى ما يجري بوصفه شأنًا موسميًا، أو مادة للاستهلاك السياسي، أو ساحة للمنافسة اللفظية. الوصاية الهاشمية هنا ليست شعارًا موروثًا، بل وظيفة سيادية وأخلاقية وسياسية تتطلب يقظة مستمرة، وعملًا متصلًا، وقدرة على إبقاء القدس حاضرة في الوعي الدولي حتى عندما تحاول الحروب الأخرى أن تبتلعها.

إعادة فتح المسجد الأقصى بعد أربعين يومًا من الإغلاق لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إجراء إداري أو أمني عابر، خصوصًا حين تتزامن مع تمديد ساعات اقتحام المستوطنين، ومع التحذيرات من تكريس التقسيم الزماني. فالمسألة هنا لا تتعلق بتفصيل منفصل، بل بنمط كامل من السلوك يراد من خلاله إعادة تشكيل العلاقة مع المكان المقدس، وتحويل الانتهاك من استثناء إلى اعتياد، ومن حادثة إلى روتين. وهذا بالضبط ما تدركه الدولة الأردنية، ولذلك تتحرك على قاعدة أن حماية القدس لا تبدأ فقط عند وقوع الانفجار، بل قبل أن يستقر الخطر ويتحوّل إلى بنية يصعب اقتلاعها.

هنا تحديدًا يظهر معنى القيادة الهاشمية للملف. فهي قيادة لا تبحث عن الضجيج، ولا تحتاج إلى المزايدة لإثبات حضورها، لأنها تتحرك من موقع الواجب لا من موقع الاستعراض. الأردن لا يدخل هذا الملف بصفته مراقبًا متعاطفًا، بل بصفته صاحب مسؤولية مباشرة، ومرجعية تاريخية، وصاحب مصلحة سيادية وأخلاقية في منع المساس بالوضع القائم في القدس ومقدساتها. ولهذا فإن الصوت الأردني حين يرتفع لا يرتفع للمزايدة، بل للتحذير والتثبيت والدفاع عن ميزان دقيق يعرف الجميع أن اختلاله لا يهدد القدس وحدها، بل يهدد فكرة الاستقرار كلها.

ولعل ما يمنح هذا الدور وزنه الحقيقي هو أن الأردن مارس هذه المسؤولية في أصعب الظروف، وفي مراحل كانت المنطقة فيها أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتفكك والاستقطاب. ومع ذلك، لم تتراجع القدس في الحساب الأردني إلى مرتبة ثانوية، ولم تُؤجَّل بذريعة الأولويات المتزاحمة، ولم تُستخدم بوصفها مادة خطابية لتسجيل النقاط. بل بقيت في صلب الرؤية الأردنية، باعتبارها قضية سيادة وشرعية وتاريخ، وباعتبار أن التفريط بها أو التهاون في متابعتها لا يفتح الباب فقط أمام تغيير في الوقائع، بل أمام تصدع أوسع في المعنى السياسي والقانوني للمدينة ومقدساتها.

الهاشميون، في هذا السياق، لا يحمون القدس بخطاب مرتفع النبرة فقط، بل بمنهج كامل: متابعة، وتحذير، وتثبيت، وتذكير، ومراكمة أثر. وهذا هو العمل الحقيقي في مثل هذه الملفات. لأن القضايا الكبرى لا تُخدم بالصوت العالي وحده، بل بالإصرار الطويل، وبالحضور المتصل، وبقدرة الدولة على أن تظل ممسكة بالخيط حتى في أكثر اللحظات ضبابية. وحين يكون الخطر متحركًا على الأرض بهذه الوتيرة، فإن الحكمة لا تقل أهمية عن الشجاعة، والثبات لا يقل أهمية عن الإعلان.

في لحظة عربية وإقليمية تختلط فيها الأولويات، ويغلب فيها الضجيج على الفعل، يبقى الصوت الهاشمي مختلفًا لأنه لا يتعامل مع القدس كمنصة خطاب، بل كأمانة. ولا ينظر إلى المقدسات باعتبارها عنوانًا تعبويًا، بل مسؤولية لا تقبل الانقطاع. لهذا ظل هذا الدور محتفظًا بثقله، لأن من يقوده لا يسعى إلى الظهور من خلال القدس، بل إلى حمايتها من صخب الظهور.

وهكذا، فإن قيمة المتابعة الهاشمية لملف القدس لا تكمن فقط في مضمون المواقف التي تصدر، بل في طبيعة المنهج الذي يحكمها: هدوء الدولة، ويقظة المسؤولية، وثبات الوصاية، ووعي الخطر قبل أن يصبح أمرًا واقعًا. وهذه، في النهاية، هي الطريقة الأكثر صلابة في خدمة القدس: أن تُحمى بالعقل كما تُحمى بالموقف، وبالاستمرار كما تُحمى بالاعتراض، وبصمت الملوك الذي يترك أثره أعمق من كثير من الأصوات العالية.
بقلم: زياد فرحان المجالي

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤