أصيب خمسة أطفال بجروح متفاوتة، الأربعاء 19 من آب، إثر انفجار لغم أرضي في أثناء رعيهم للأغنام في محيط قرية تل حمام غربي مدينة تل تمر بريف الحسكة الغربي.
وتعيد الحادثة إلى الواجهة مخاطر الألغام ومخلفات الحرب المنتشرة في مناطق شهدت خلال السنوات الماضية عمليات عسكرية وتغيرات في خطوط السيطرة.
ووقع الانفجار في أثناء وجود الأطفال في المنطقة لرعي الأغنام، وهي من الأنشطة التي يعتمد عليها سكان قرى ريف تل تمر ومناطق واسعة من شمال شرقي سوريا، ما يجعل انتشار الألغام في الأراضي الزراعية والمراعي والطرق الفرعية خطرًا مباشرًا على المدنيين، ولا سيما الأطفال والرعاة.
إصابات متفاوتة بين الأطفال
وقال مصدر طبي في الحسكة، لعنب بلدي، إن الأطفال المصابين نقلوا إلى مستشفى الخابور في تل تمر، حيث تلقوا الإسعافات الأولية، قبل أن تقرر الكوادر الطبية نقل حالتين إلى مستشفيات مدينة الحسكة لاستكمال العلاج، نظرًا إلى وضعهما الصحي.
والمصابان هما إبراهيم عبد الجاسم، البالغ من العمر 17 عامًا، الذي وصفت إصابته بالحرجة، ومهند خلف عليوي، البالغ 13 عامًا.
كما أصيب عبد الرحمن محمود محمود، 14 عامًا، بشظايا في الساق اليمنى، بينما تعرض أسامة حسن صقر، 13 عامًا، لشظايا في الركبة اليسرى والبطن، وأصيب ليث أسعد شحاذة، 10 أعوام، بشظايا في القدم اليسرى.
ويأتي الحادث في منطقة يعتمد سكانها بصورة رئيسة على الزراعة وتربية المواشي، ما يجعل استخدام الأراضي المفتوحة والمراعي والطرق الزراعية جزءًا من النشاط اليومي للسكان، رغم استمرار وجود مخلفات الحرب في بعضها.
مخلفات الحرب تتجاوز خطوط التماس
قال خبير الاستجابة عماد العلي، لعنب بلدي، إن مخلفات الحرب تعد من أبرز التحديات التي تواجه المناطق التي شهدت تغيرات عسكرية خلال السنوات الماضية.
وأوضح العلي أن خطر هذه المخلفات لا يقتصر على خطوط التماس السابقة، وإنما يمتد إلى الطرق الزراعية والمناطق التي يستخدمها المدنيون بصورة يومية، ما يزيد من احتمالية وقوع حوادث بين السكان، خاصة الأطفال والرعاة والمزارعين.
وأشار إلى أن فرق إزالة الألغام تعمل حاليًا على تأمين الطرق المؤدية من تل تمر والدرباسية إلى رأس العين، باعتبار ذلك مرحلة أولى، قبل الانتقال إلى تنظيف المناطق السكنية والزراعية، بحسب ما أعلنته الجهات العاملة في ملف إزالة الألغام.
وتعد المناطق الغربية من تل تمر من المناطق الخطرة، وفق العلي، بسبب انتشار الألغام فيها، إذ كانت المنطقة خلال السنوات الماضية جزءًا من خطوط التماس بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري، عقب سيطرة الأخير على مدينة رأس العين في أواخر عام 2019 بدعم من تركيا.
وأدت السيطرة على رأس العين والتطورات العسكرية التي رافقتها إلى نشوء خطوط تماس في المنطقة واستمرار التوترات خلال السنوات اللاحقة، ما خلف ألغامًا ومخلفات حربية في عدد من المناطق المفتوحة والطرق والقرى المحيطة.
إزالة الألغام على طرق رأس العين
تأتي إصابة الأطفال الخمسة في وقت تتواصل فيه عمليات إزالة الألغام ومخلفات الحرب من الطرق الرئيسة المؤدية إلى مدينة رأس العين وريفها، في خطوة تهدف إلى تأمين حركة المدنيين وتهيئة الظروف أمام عودة السكان إلى مناطقهم.
وكانت أعمال إزالة الألغام تتركز، وفق معطيات سابقة، على طريق الدرباسية- رأس العين، والطريق الواصل بين تل تمر ورأس العين، إضافة إلى المناطق المحيطة بخطوط التماس السابقة والقرى الواقعة في ريفي زركان وتل تمر.
وزارة الدفاع، بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي وعدد من المنظمات، تواصل عمليات إزالة الألغام من الساتر الترابي الممتد من قرية الأسدية شرق رأس العين وصولًا إلى ناحية تل تمر، بهدف تأمين المنطقة وفتح الطرق باتجاه رأس العين أمام المدنيين.
كما تنفذ منظمة “الوصال” (Reacho) العاملة في ريف زركان عمليات إزالة الألغام على طريق الدرباسية- رأس العين.
وقال مدير العمليات في المنظمة إن فرقها وصلت إلى مراحل متقدمة من إزالة الألغام، بعدما شملت عمليات التنظيف نحو 80% من الطريق، مشيرًا إلى أن العمل يجري وفق الخطة الموضوعة بهدف إنهاء إزالة المخلفات وفتح الطريق أمام حركة المدنيين.
عمليات التنظيف تشمل مسافة تقدر بنحو كيلومترين من الطريق، باعتبار أن المنطقة كانت سابقًا من نقاط الاشتباك، الأمر الذي استدعى وضع خطة زمنية تمتد بين أربعة وستة أسابيع لاستكمال إزالة المخلفات الحربية.
وبحسب المنظمة، تركزت الأولوية على تأمين الطريق الرئيس وإعادة فتحه أمام السكان، على أن تنتقل الفرق بعد ذلك إلى تنظيف القرى والمناطق الأخرى من الألغام.
طريق تل تمر- رأس العين
وفي الجهة الأخرى من ريف رأس العين، تواصل منظمة “MAG” المتخصصة بإزالة الألغام، بالتعاون مع الفرق الهندسية التابعة لـ”الفرقة 60″ في الجيش السوري، عمليات التمشيط على الطريق الواصل بين تل تمر ورأس العين.
وتستخدم الفرق الكاسحات الهندسية في عمليات إزالة الألغام ومخلفات الحرب، بهدف تأمين الطريق والقرى المحيطة به، في ظل استمرار الحاجة إلى تنظيف مناطق كانت خلال السنوات الماضية قريبة من خطوط التماس.
وتأتي هذه العمليات ضمن جهود أوسع لتأمين الطرق التي تربط مناطق شمال شرقي سوريا، خصوصًا أن بعض الطرق ظلت مغلقة أو محدودة الاستخدام نتيجة مخاطر الألغام والمخلفات الحربية.
لكن تأمين الطرق الرئيسة لا يعني انتهاء الخطر في المناطق المحيطة بها، إذ لا تزال الأراضي الزراعية والمراعي والطرق الفرعية بحاجة إلى عمليات مسح وإزالة للمخلفات.
السكان يطالبون بتوسيع عمليات المسح
وقال جاسم العبد الحميد، أحد سكان تل تمر، لعنب بلدي، إن سكان المنطقة يأملون أن تسهم عمليات إزالة الألغام في فتح الطرق وتسهيل التنقل، إلى جانب إزالة أحد أبرز العوائق أمام عودة النازحين الذين ينتظرون منذ سنوات العودة إلى منازلهم.
وطالب العبد الحميد بتكثيف عمليات الكشف عن الألغام وإزالتها، خاصة في المناطق التي تشهد حركة مستمرة للسكان والرعاة، إلى جانب تعزيز التوعية بمخاطر الأجسام والمخلفات المتفجرة.
وأضاف أن العديد من الألغام انفجرت خلال السنوات الماضية بين أهالي القرى المحيطة ورعاة الأغنام والأطفال، ما جعل خطر المخلفات الحربية حاضرًا بصورة مستمرة في حياة السكان.
وتكتسب المطالب بتوسيع عمليات المسح أهمية خاصة في المناطق الريفية، حيث لا تقتصر حركة السكان على الطرق المعبدة أو المسارات التي خضعت للتنظيف، إذ يضطر المزارعون والرعاة إلى الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي والطرق الفرعية التي قد لا تكون خضعت للمسح بعد.
الألغام وعقبة عودة النازحين
لا يرتبط ملف إزالة الألغام بتأمين حركة السكان فقط، وإنما يمثل عاملًا أساسيًا في عودة النازحين إلى مناطقهم، خصوصًا في القرى التي شهدت عمليات عسكرية وتغيرات في السيطرة خلال السنوات الماضية.
وتتطلب عودة السكان، إلى جانب فتح الطرق، التأكد من سلامة المناطق السكنية والزراعية والمراعي التي سيعودون إليها، في ظل اعتماد شريحة واسعة من سكان ريف الحسكة على الزراعة وتربية المواشي.
وفي هذا السياق، قال العلي إن العمل على تأمين الطرق المؤدية إلى رأس العين يمثل مرحلة أولى، قبل الانتقال إلى المناطق السكنية والزراعية، وهو ما يعني أن إزالة الألغام من الطرق لا تنهي الخطر بصورة كاملة، وإنما تحد من المخاطر في المسارات التي جرى تنظيفها.
وتبقى المناطق التي لم تصل إليها فرق إزالة الألغام بحاجة إلى عمليات مسح وتحديد للمواقع الخطرة، بالتوازي مع توعية السكان بضرورة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة وعدم الاقتراب منها أو محاولة نقلها.
ملف الألغام في ظل اتفاق 29 كانون الثاني
يتزامن استمرار عمليات إزالة الألغام مع التحضيرات المرتبطة باتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، الذي يتضمن مسارات تتعلق بالترتيبات الأمنية والإدارية ودمج المؤسسات في شمال شرقي سوريا.
ويعد تأمين المناطق والطرق وإزالة مخلفات الحرب من الملفات المرتبطة بالاستقرار الميداني، خصوصًا في المناطق التي شهدت خطوط تماس خلال السنوات الماضية.
وبالنسبة للسكان، فإن عودة الاستقرار لا تقتصر على توقف العمليات العسكرية أو إعادة فتح الطرق، بل تشمل أيضًا إزالة المخاطر التي خلفتها سنوات المواجهات، وفي مقدمتها الألغام ومخلفات الحرب.




