الحرب التي كان يفترض أن تنهي "حزب الله"… قد تعيد إنتاجه سياسياً وميدانياً؟
حسين سعيد
لم تكن التهديدات الإسرائيلية في بداية الحرب الأخيرة عادية، بل بلغت سقوفاً غير مسبوقة، حدّ التلويح بالقضاء التام على حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية بشكل كامل. بدا وكأن القرار قد اتُخذ بإنهاء هذا الملف نهائياً، مستنداً إلى ما اعتُبر إنجازاً تحقق في حرب 2024، حين تلقت بنية الحزب ضربات قاسية شملت اغتيال قيادات بارزة واستهدافاً واسعاً لقدراته، قيل إنها دمّرت الجزء الأكبر منها.
في تلك المرحلة، ساد اعتقاد، داخل إسرائيل كما في بعض الأوساط اللبنانية، بأن حزب الله دخل مرحلة الانكفاء وربما التآكل التدريجي. عزّز هذا الانطباع استمرار العمليات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار من طرف واحد، عبر الاغتيالات المتكررة، ومنع عودة الأهالي إلى قراهم، والتوغلات المحدودة، إلى جانب تفكيك جزء كبير من البنية العسكرية جنوب الليطاني، سواء بفعل القصف أو عبر آليات دولية ومحلية.
لكن مع اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، بدا أن الحزب قرأ اللحظة بشكل مختلف. فبعد أكثر من عام على توقف المواجهة السابقة، قرر العودة إلى الميدان، مستفيداً من هامش زمني سمح له بإعادة تنظيم صفوفه وسدّ الثغرات التي ظهرت في الحرب الماضية.
ما حدث لاحقاً لم يكن مطابقاً للتوقعات الإسرائيلية. فعلى الرغم من شدة الضربات واستمرار العمليات، لم تتوقف الصواريخ، بل استمرت بوتيرة لافتة، وأحياناً بكثافة أكبر. كما أظهرت المواجهات في القرى الأمامية مقاومة شرسة، كبدت الجيش الإسرائيلي خسائر مادية وبشرية، وفرضت عليه حذراً واضحاً في التقدم البري.
ولم يكن هذا التحول مجرد انطباع، بل ترجم نفسه في وقائع ميدانية واضحة. ففي مدينة بنت جبيل، المحاذية للحدود مع إسرائيل، والتي تحمل رمزية خاصة في الوعي الإسرائيلي منذ حرب 2006، بدا التردد الإسرائيلي في اقتحامها لافتاً، رغم إحكام الطوق عليها من مختلف الجهات، في ظل خشية واضحة من الوقوع في كمائن مكلفة قد تفضي إلى خسائر بشرية كبيرة. وهو تردد يعكس الفجوة بين الرغبة في تحقيق إنجاز رمزي كبير، والقدرة الفعلية على تحمّل كلفته.
وفي موازاة ذلك، برز تطور لافت في الأداء القتالي، تمثل في القدرة على استهداف دبابات “الميركافا” في أكثر من محور، ما شكّل تحدياً مباشراً لإحدى ركائز القوة البرية الإسرائيلية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدا أن الحزب استفاد من تجارب حروب حديثة، لا سيما في أوكرانيا، عبر توسيع استخدام المسيّرات الانقضاضية، بما أتاح له تعويض جزء من الفارق التقني وفرض معادلات ميدانية أكثر تعقيداً.
هنا برز التناقض الأهم: في حين رفعت القيادة السياسية الإسرائيلية سقف الأهداف إلى حد إقامة منطقة عازلة واسعة تصل إلى نهر الليطاني، والقضاء الكامل على القدرات العسكرية للحزب، بدت التقديرات العسكرية أكثر واقعية، متحدثة عن صعوبة تحقيق هذه الأهداف، بل واستحالة نزع سلاح الحزب بالكامل. هذا التباين وضع القيادة السياسية أمام اختبار صعب، لا سيما في ظل الوعود التي قُدمت لسكان الشمال، ما فتح الباب أمام مأزق داخلي متصاعد.
في المقابل، بدأت صورة مختلفة تتشكل داخل لبنان. فالأوساط التي كانت تراهن على انهيار حزب الله وجدت نفسها أمام مشهد مغاير، حيث لم ينجح الضغط العسكري الهائل في إسقاطه، بل دفعه إلى التكيف وإعادة تنظيم نفسه، وهو ما أعاد خلط الأوراق وقد يجبر خصومه على إعادة حساباتهم.
ومع مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب، يتكرس واقع لا يشبه البدايات: لا حسم عسكرياً، ولا تحقيق للأهداف الكبرى، بل مواجهة مفتوحة على احتمالات متعددة. وهنا يبرز السيناريو الأكثر حساسية: ماذا لو انتهت الحرب بتسوية إقليمية، لا سيما في حال توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران؟
في هذه الحالة، من المرجح أن يقدّم حزب الله نفسه بوصفه طرفاً صمد في وجه حرب واسعة، وسيحاول استثمار ذلك سياسياً وداخلياً. عندها، لن يكون المشهد كما كان قبل الحرب، بل ستدخل الساحة اللبنانية مرحلة جديدة من إعادة التوازنات، عنوانها الأساسي: من يملك القدرة على فرض الوقائع، لا من يرفع سقف التهديدات.
فهل نحن أمام بداية تحول فعلي في قواعد الاشتباك، يرسم ملامح المرحلة المقبلة في الداخل اللبناني وعلى الحدود معاً؟


