الحرب على إيران تضع آلية صناعة القرار الرئاسي في إدارة ترامب تحت المجهر
أعاد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران فتح النقاش حول طبيعة صناعة القرار داخل إدارته في ولايته الثانية، في لحظة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الحسابات الداخلية، وتبرز فيها ملامح تحول واضح في آليات اتخاذ القرار داخل البيت الأبيض، خاصة في الملفات ذات الطابع الاستراتيجي.
وبحسب تقرير لوكالة “بلومبرغ”، فإن خيار التصعيد العسكري لم يتشكل حصرًا داخل المؤسسات الرسمية، بل تأثر بشكل مباشر بضغوط مارستها أطراف خارجية، في مقدمتها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب شخصيات إعلامية محافظة؛ حيث كثّفت هذه الأطراف تواصلها مع الرئيس الأمريكي، داعية إلى تبني موقف أكثر صرامة تجاه طهران، في سياق إقليمي يتسم بسرعة التوترات واتساع رقعتها.
وتفيد المعلومات التي أوردتها الوكالة بأن هذا التأثير الخارجي تزامن مع غياب معارضة صريحة داخل الدائرة الضيقة للرئيس، إذ لم يُسجَّل أن أحدًا من كبار المسؤولين واجهه بشكل مباشر باعتبار خيار الحرب غير محسوب، رغم وجود تحفظات غير معلنة. فقد اكتفى نائب الرئيس جي دي فانس بطرح أسئلة تتعلق بكيفية إدارة الحرب وتداعياتها، بينما ركز وزير الخارجية ماركو روبيو على عرض السيناريوهات الممكنة دون الدفع نحو خيار بعينه، في حين انحصر دور رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في تنظيم مسار النقاش وضمان عرض البدائل أمام الرئيس.
هذه المعطيات تعكس نمطًا خاصًا في التفاعل داخل الإدارة، حيث يغلب تقديم الخيارات على النقاش النقدي المباشر، وهو ما يفيد بأن القرار النهائي يُبنى في الغالب على قناعة الرئيس أكثر من كونه نتيجة مداولات داخلية متوازنة، خاصة في ظل فريق يميل إلى تجنب المواجهة الصريحة مع توجهاته، وهو ما يختلف عن طبيعة النقاش التي ميزت الولاية الأولى.
كما تشير تفاصيل التقرير إلى أن عددًا من المسؤولين الذين كانوا يُعرفون بتحفظهم على التدخلات العسكرية حافظوا على مواقف حذرة، دون ترجمتها إلى اعتراضات علنية، وهو ما يعكس ثقافة سياسية داخلية تقوم على الالتزام الجماعي بعد اتخاذ القرار، حتى في حال وجود تباينات في التقدير خلال المراحل السابقة.
هذا التحول في بنية القرار داخل الإدارة الأمريكية لا يمكن فصله عن تجربة الولاية الأولى، التي اتسمت بخلافات حادة بين الرئيس وعدد من كبار المسؤولين، وصلت إلى حد الاستقالات، كما حدث مع وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، وهو ما دفع ترامب، وفق قراءات سياسية متقاطعة، إلى تفضيل فريق أكثر انسجامًا في ولايته الثانية، بما يقلص من احتمالات الصدام الداخلي.
في المقابل، يتمسك البيت الأبيض برواية مختلفة، إذ يؤكد أن الرئيس يستمع إلى آراء مستشاريه ويطلب منهم تقديم تقييمات صريحة، غير أن مسار الأحداث يوحي بأن هذا النقاش، حتى عندما يكون قائمًا، لا يصل إلى مستوى التأثير الحاسم في القرار، خاصة في القضايا التي يعتبرها الرئيس جزءًا من رؤيته المباشرة.
الحرب، التي دخلت أسبوعها الرابع، لم تظل محصورة في بعدها العسكري، إذ سرعان ما انعكست على الداخل الأمريكي، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط على كلفة المعيشة، وهو ما يضع الإدارة أمام تحدٍ اقتصادي في توقيت سياسي حساس، مع اقتراب الانتخابات النصفية التي يُتوقع أن تتأثر بشكل مباشر بتقييم الناخبين للأوضاع الاقتصادية.
وتبرز في هذا السياق، وفق ما يعكسه تقرير “بلومبرغ”، مخاوف داخل الأوساط الجمهورية من أن يؤدي استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود إلى إضعاف الرسالة الاقتصادية للحزب، خاصة في ظل ارتباط سلوك الناخب الأمريكي بشكل وثيق بمؤشرات المعيشة اليومية، وهو ما يجعل كلفة القرار العسكري ممتدة إلى المجال السياسي الداخلي.
داخل القاعدة المحافظة، تعكس المواقف قدرًا من التباين، إذ عبّرت شخصيات إعلامية وسياسية عن رفضها للتدخل العسكري، معتبرة أنه يتعارض مع الخطاب السابق الداعي إلى تقليص الانخراط في النزاعات الخارجية، في حين دعمت أطراف أخرى هذا الخيار، باعتباره ضروريًا لمواجهة التهديدات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وهي انقسامات أشار إليها تقرير الوكالة في رصده لتفاعلات المشهد السياسي الأمريكي.
في هذا السياق، تبرز محدودية الأصوات المعارضة داخل الإدارة نفسها، إذ لم تُسجَّل سوى مواقف فردية معزولة، من بينها استقالة مسؤول سابق في مجال مكافحة الإرهاب، أعلن رفضه دعم حرب لا يرى أنها تخدم المصالح الأمريكية، وهو ما ينسجم مع ما أورده التقرير ذاته حول غياب اعتراض مؤسسي منظم داخل الفريق الحكومي.
المقارنة مع الولاية الأولى تكشف عن تغير لافت في طبيعة التوازن داخل الإدارة، إذ كانت الخلافات آنذاك جزءًا من المشهد اليومي، وشكلت أحيانًا عامل ضغط على مسار القرار، بينما تتسم المرحلة الحالية بدرجة أعلى من الانضباط، مع تراجع واضح في مستوى الجدل الداخلي.
رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز تضطلع بدور محوري في هذا الإطار، حيث تعتمد مقاربة تقوم على ضبط مسار العمل وتنظيم تدفق المعلومات، دون التدخل في مضمون القرار، وهو ما ساهم في تعزيز ثقة الرئيس بها، ومنحها موقعًا مستقرًا داخل الإدارة.
في العمق، تكشف هذه الحرب، كما تعكسها معطيات “بلومبرغ”، عن نموذج حكم يميل إلى مركزية القرار، حيث تتقدم إرادة الرئيس على النقاش المؤسسي، في ظل فريق يحرص على التماهي مع توجهاته، وهو نموذج قد يمنح سرعة في الحسم، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات حول قدرته على استيعاب تعقيدات الملفات الدولية.
The post الحرب على إيران تضع آلية صناعة القرار الرئاسي في إدارة ترامب تحت المجهر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

