"الغميضة".. حين يتحول الماضي إلى ملاذٍ عاطفي
يبدو المسلسل الكويتي "الغميضة" في جوهره كآلةٍ للسرد القصصي، حيث سعت كاتبة السيناريو هبة مشاري حمادة، والمخرج علي العلي، إلى بناء أنماط ومعانٍ وروابط عاطفية تخدم فكرة الحنين إلى الماضي بوصفه ملاذاً شعورياً.
يطرح العمل إحساساً بالأمان العاطفي، ويمنح المشاهدين فرصة لاستعادة صور شبه مثالية ورومانسية للماضي، حيث تبدو التحديات أكثر بساطة، والتجارب أكثر قابلية للفهم.
يتجاوز "الغميضة" حدود التجربة الفردية ليصبح تجربة عاطفية مشتركة، حديثاً للجميع، ينطلق السيناريو من فكرة الحنين، لكنه لا يتكئ عليها كعكاز، وإنما يبني عليها قصة متماسكة، تتعامل بوعي مع التعقيد والصراعات والمواقف الإنسانية والاجتماعية، كما يسعى إلى تقديم صورة واقعية لحقبة السبعينات، مبرزاً تأثير المصالح المادية على مصائر الشخصيات، والفجوة بين الأجيال داخل الأسرة.
يتخذ المسلسل من اللعبة الشعبية القديمة "الغميضة" إطاراً رمزياً لبناء عمقه النفسي. فالحماس، والمنافسة، والمرح، تتحول إلى خلفية درامية تُبرز مهارات الشخصيات، وقدراتها البدنية، وخفة حركتها، وذكاءها في المناورة.
وكما في اللعبة، تنضم شخصيات جديدة إلى الأحداث، لتشارك في الاختباء والانكشاف بعفوية، ومع تزايد عدد المشاركين، يتصاعد الحماس والغموض، ويتسع البناء الدرامي.
لحظات الفرح والحزن
يصمم "الغميضة" رحلته ليضع المشاهد داخل تجربة شعورية متكاملة، يعيش خلالها لحظات الفرح والحزن مع الشخصيات، خصوصًا في قصة الأم الكفيفة وأبنائها.
ومن خلال تفاصيل الحياة اليومية، تتكشف القصص الإنسانية، عاكسة ملامح المجتمع الكويتي في السبعينات، بكل ما يحمله من صراعات وأحلام ومشاعر، تتنوع هذه المشاعر بين نشوة الحب، كما في علاقة طارق (محمود بوشهري) وشادية (فاطمة الصفي)، وبين الرغبة في الانتقام، كما في قصة منصور (إبراهيم الحربي) وشاهة (عبير أحمد).
وقد يكون الدافع بسيطاً، كالبحث عن وظيفة بدوام كامل، كما في شخصية صالح (عبدالرحمن العقل)، أو عميقاً ومركباً، كاستكشاف الحزن الممتد في معظم الشخصيات. في جميع الأحوال، تُبنى القصص لتثير استجابة شعورية مباشرة لدى المشاهد.
من بين كل المشاعر التي يثيرها العمل، يبرز الحب وأزماته كأحد أهم المحاور، ورغم أن الحب قد يُختزل أحياناً في كونه شعوراً بالحزن داخل علاقات غير متوازنة، إلا أن "الغميضة" يقدمه في أبعاده الأوسع.
يتجلى هذا في الشوق بين شادية وطارق، والحنين بين وداد وصالح، والارتباط بالأهل والأحباب. هنا تصبح المشاعر الكامنة خلف الأحداث عنصرًا موازياً للأحداث نفسها، ما يجعل عنوان "الغميضة" انعكاساً دقيقاً لحالة الاختباء العاطفي التي تعيشها الشخصيات.
العودة إلى اختناق الحياة
رغم تعدد القصص، تظل علاقة وداد وصالح من أكثر الخطوط الدرامية تميزاً، لأنها تعبر عن مفهوم الانتماء والمحبة، كثيراً ما يجد أبطال "الغميضة" حريتهم خارج الإطار التقليدي للأسرة، كما في بعض العلاقات التي تتشكل بعيداً عن البيت.
لكن العودة إلى الحياة الأسرية لا تعني دائماً الأمان، بل قد تعني العودة إلى الاختناق، إلى الألم، إلى القيود الاجتماعية.
تُقدم شخصية وداد كرمز للعائلة والملاذ الآمن، وهي صورة إنسانية قادرة على ملامسة وجدان المشاهد. وقد استثمر السيناريو هذا البعد ليجعله محوراً عاطفياً تتقاطع عنده خطوط الشخصيات.
طاقة مؤثرة
تقدم هدى حسين (وداد) أداءً لافتاً، حيث تجسد شخصية معقدة بحساسية وصدق، وتوازن بين ضبط النفس والتأثير العاطفي، تكمن قوة الأداء في قدرتها على التعبير عن إدراك الحياة من خلال الروح، لا البصر.
الشخصية ليست مجرد عنصر درامي، لكنها تجربة إنسانية، تحمل رسالة واضحة: الإيمان بالنفس، والإصرار، والكرامة، يمكن أن تقود إلى النجاة.
وقد استُلهمت الشخصية من قصتين واقعيتين: سيدة فاقدة البصر تتمتع بقدرة استثنائية على إدارة منزلها، وأخرى تعمل خياطة وتملك موهبة عالية في تصميم الأزياء.
تُعمّق شخصية صالح فكرة أن للنجاح ثمناً، وأن المكافآت لا تأتي دون خسائر. يقدم عبدالرحمن العقل أداءً متوازناً، بعيداً عن الكليشيهات، يركز على الأثر الشعوري لدى المشاهد.
أما شخصية ناصر (حسن عبدالله)، فتجسد فكرة السعي وراء الأحلام، مؤكدة أن النجاح ليس نتيجة عامل واحد، وإنما مزيج من الشغف، والانضباط، والعمل الجاد، والتوقيت المناسب.
ميراث البراءة
تمثل حنان (لولوة الملا) بُعد البراءة في عالم فقد الكثير من إنسانيته، لكنها تواجه اختباراً قاسياً بعد تعرضها لاعتداء، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن الحفاظ على النقاء في عالم قاسٍ؟
تظهر الشخصية بوجهين: الحزن والفرح، وتُبنى من خلال حوارات طويلة ومتشابكة، تعكس تعقيد تجربتها.
تمثل علاقة طارق وشادية نموذجاً للحلم الذي يصطدم بالواقع، خصوصاً مع الفوارق الطبقية، يتحول الحب إلى مساحة صراع، تتداخل فيها التوقعات مع القيود الاجتماعية.
وفي محاولتهما للعودة إلى الواقع، يواجهان تحديات تعكس موقع كل منهما داخل المجتمع، خاصة فيما يتعلق بأدوار الرجل والمرأة، ورغم ذلك، ينجحان أحياناً في التخلي عن الأقنعة، والتمسك بالصدق.
تعدد الشخصيات وبناء العالم
رغم كثافة الشخصيات، ينجح "الغميضة" في منح كل شخصية هوية مستقلة، سواء على مستوى الشكل أو السمات النفسية. يتحرك العمل بسلاسة بين هذه الشخصيات، مع الحفاظ على توازن العلاقات.
كما يوظف حساً ساخراً خفيفاً، يمنح العمل لحظات من البهجة وسط أجواء يغلب عليها الغموض والتوتر.
لا يكتفي "الغميضة" باستعادة مشاعر الشباب، لكنه يستعيد أيضاً تفاصيل الحياة اليومية في تلك الحقبة: الموسيقى، الألعاب، الكتب، الأزياء. تتحول مشاهدة المسلسل إلى تجربة استحضار للذاكرة، حيث لا يبدو الماضي مجرد زمنٍ مضى، وإنما جزءاً حياً من وجدان المشاهد.
* ناقدة فنية





