الجار عقّد أزمة تشكيل الحكومة.. والإطار يحنّ إلى "زمن سليماني"!
بغداد/ تميم الحسن
تبدو أزمة تشكيل الحكومة في بغداد، بعد زيارة فيلق القدس" في «الحرس الثوري" الإيراني إسماعيل قاآني، أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل وصوله، إذ لم تُفضِ تحركاته إلى تقريب وجهات النظر داخل البيت الشيعي، بل على العكس، زادت من تشابك المشهد، ودفعت كل طرف إلى التشبث بموقعه أو محاولة تحسين شروطه.
وبحسب المعطيات السياسية، فإن قاآني، الذي وصل إلى بغداد في زيارة وُصفت بأنها غير اعتيادية، عقد سلسلة لقاءات مع عدد من الزعامات الشيعية، خرج بعدها أكثر من طرف ليؤكد حصوله على "دعم طهران"، في دلالة على أن الزيارة لم تُنتج حلاً بقدر ما أعادت توزيع أوراق التنافس.
وحتى لحظة كتابة التقرير، لا يزال نوري المالكي، الذي يُطرح بوصفه المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء، متمسكاً بموقفه، وغير مستعد للتنازل إلا بضمانات محددة وواضحة.
في المقابل، تتحرك مجموعة شيعية أخرى باتجاه تنفيذ "مناورة" سياسية تهدف إلى إسقاط جميع المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة دفعة واحدة، في محاولة لتقديم مرشحين جدد.
ومع مرور الوقت، تجاوزت الأزمة أكثر من نصف المهلة الدستورية الخاصة بتقديم مرشح الكتلة الأكبر لرئاسة مجلس الوزراء، دون تحقيق أي حسم فعلي.
مغادرة مبكرة واجتماعات مغلقة
وعن كواليس الزيارة، ينقل سياسي شيعي حضر جزءاً من لقاءات المسؤول الإيراني، في حديثه لـ(المدى) مشترطاً عدم الإشارة إلى اسمه، أن "قاآني غادر بالفعل بغداد قبل أن تتسرب معلومات عن وجوده، وعقد اجتماعات مع زعامات الإطار التنسيقي".
ويصف السياسي حضور قاآني بأنه "عقد الأزمة بدلاً من حلها"، في إشارة مباشرة إلى ملف تشكيل الحكومة، مشيراً إلى أن حضوره يختلف عن قاسم سليماني، الذي كان يضع حدوداً واضحة للأزمات ويُمسك بخيوط إدارتها بشكل مباشر."
ويضيف أن "قاآني عقد اجتماعات مع عدد من الزعامات الشيعية، من بينهم نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، وكلاهما أعلن بعد الاجتماع أنه حصل على تأييد المرشد الإيراني الجديد، وقالوا: أسألوا قاآني"، وهو ما زاد من تضارب الروايات بدل توحيدها.
وتسربت مساء السبت الماضي معلومات من مصادر متقاطعة عن وصول قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، في زيارة وُصفت بأنها غير اعتيادية من حيث التوقيت والسياق.
وتكتسب هذه الزيارة، وفق التقديرات السياسية، أهميتها من كونها الأولى بعد المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة، وتأتي في لحظة سياسية عراقية حساسة تشهد تعثراً متكرراً داخل "الإطار التنسيقي" في حسم اسم رئيس الحكومة المقبلة.
ويقود إسماعيل قاآني "فيلق القدس"، الذراع الخارجية لـ"الحرس الثوري"، منذ عام 2020، خلفاً لقاسم سليماني الذي قُتل في ضربة أميركية قرب مطار بغداد مطلع ذلك العام.
ومنذ توليه المنصب، نفّذ قاآني زيارات متكررة إلى العراق، إلا أن الإعلان عن تحركاته يبقى محدوداً ونادراً.
وفي خضم هذا الاشتباك، وجهت أصابع الاتهام بشكل متوازٍ إلى فريقي نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، بوصفهما قطبي المنافسة الرئيسيين، مع ترجيحات بأن كليهما سعى إلى استدعاء قاآني في محاولة لحسم الانسداد أو ترجيح كفة على أخرى داخل البيت الشيعي.
وكانت أوساط سياسية قد تداولت روايات سابقة تفيد بأن المرشد الإيراني علي خامنئي كان قد أوصى بمنح رئاسة الحكومة إلى نوري المالكي.
المرشح الوحيد ونفي أي بدائل!
وفي داخل "الإطار التنسيقي" كان يُفترض –وقت إعداد هذا التقرير– أن تُعقد جلسة حاسمة عقب لقاءات قاآني، وذلك بعد فشل ثلاث جلسات سابقة في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن اسم مرشح رئاسة الحكومة المقبلة."
ويُعتقد، بحسب مصادر سياسية، أن الجلسة قد تتأجل بطلب من عمار الحكيم، فيما تشير المعطيات إلى أن الجلسات السابقة تم تأجيلها مرة بطلب من السوداني، ومرة أخرى من المالكي.
وفي بيان مقتضب، أعلن "الإطار التنسيقي" مساء الأحد دعوته لاجتماع يعقد يوم الاثنين في مكتب السيد عمار الحكيم، على أن يتضمن جدول الأعمال فقرة واحدة فقط هي "حسم مرشح رئاسة مجلس الوزراء".
ومن داخل أروقة التفاوض، ينقل مصدر قريب من فريق المالكي لـ(المدى) أن "لا يوجد أربعة أسماء ولا ثلاثة ولا حتى اسمين لرئاسة الحكومة، هناك اسم واحد فقط هو نوري المالكي"، مضيفاً أن الأسماء المتداولة "ليست سوى محاولات لتشتيت الانتباه، واختراعات تتداولها منصات إلكترونية وبعض مجموعات الواتساب".
وفي السياق ذاته، كان حزب الدعوة قد أكد في بيان لاحق أن نوري المالكي ما يزال المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة، نافياً وجود أي بديل مطروح.
وقال الحزب إن "المالكي لم يتنازل عن ترشيحه حتى هذه اللحظة، وأن قرار سحب الترشيح يعود إلى الإطار التنسيقي حصراً باعتباره الجهة التي رشحته بالأغلبية"، مؤكداً أن أي سحب يجب أن يتم بالآلية نفسها التي تم بها الترشيح.
وأضاف البيان أنه "لا صحة لما يُتداول بشأن ترشيح المالكي لأي بديل عنه"، مشيراً إلى وجود فرق بين تبنّي المالكي لأي اسم وبين التزامه بقرار الإطار.
في المقابل، قال مستشار محمد شياع السوداني عبد الأمير تعيبان إنهم "استغربوا بيان حزب الدعوة"، معتبراً أن المالكي يواجه أكثر من فيتو داخلي وخارجي، شيعياً وسنياً وإقليمياً ودولياً.
ورغم تداول اسم "باسم البدري"، رئيس هيئة المسائلة والعدالة، في الأوساط السياسية كأحد البدائل المحتملة، فإن أوساط المالكي لا تتبناه بشكل مباشر، بل تتعامل معه كخيار مسرّب أكثر من كونه مرشحاً رسمياً، خصوصاً مع روايات متضاربة حول الجهة التي دفعته إلى الواجهة، من بينها تسريبات تشير إلى أن قيس الخزعلي طرحه في اجتماع غير معلن.
وتكمن المفارقة في أن الخزعلي يُصنف ضمن المعسكر الأقرب إلى السوداني، لا المالكي، بينما يُنظر إلى البدري بوصفه "ظل المالكي"، وهو توصيف سبق أن استخدم أيضاً مع السوداني في مراحل سابقة.
لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن المالكي طرح في اجتماع غير معلن أسماء أخرى أقرب إلى دائرته السياسية، مثل طارق نجم مدير مكتبه السابق، وعبد الإله النائلي رئيس مؤسسة الشهداء، وكلاهما من حزب الدعوة، دون أن يُظهر دعماً مباشراً للبدري في ذلك الاجتماع.
وبحسب تلك المصادر، فإن طرح هذه الأسماء جاء مشروطاً بسقف سياسي واضح يتمثل في إبعاد السوداني أو حيدر العبادي أو أي رئيس وزراء سابق عن المشهد، بما يعكس رغبة المالكي في إعادة ضبط مركز القرار داخل دائرته السياسية.
أزمة الثلثين.. وسيناريوهات الانقلاب
وبحسب رواية المصدر، وهو قيادي في أحد الأحزاب الداعمة للمالكي، فإن " 4 من زعماء الإطار التنسيقي الـ12 يعترضون بشكل واضح على ترشيح المالكي، وقد قدموا له اعتراضاتهم مكتوبة ومُفصّلة بالأسباب التي حالت دون قبول ترشيحه."
أما بقية الأعضاء، والذين يشكلون ما يُعرف بأغلبية الثلثين اللازمة لتمرير رئيس الحكومة(8 زعماء)، فإن المالكي – بحسب المصدر – "غير مطمئن لهم، وهم يطالبونه أيضاً بالتنحي".
ويضيف المصدر أن المالكي يطلب من مجموعة الثمانية تقديم اسباب واضحة لطلب تنحيته مع ضمانات مكتوبة بعدم الانقلاب على أي مرشح بديل، مؤكداً أنه باعتباره المرشح الرسمي فهو المخول الوحيد بتقديم البديل- بحسب وجهة نظر المالكي-
في المقابل، تطالب المجموعة نفسها بخروج المالكي بفيديو يعلن فيه انسحابه، بينما يرى هو – بحسب المصدر – أنه لا توجد ضمانات كافية لعدم تكرار سيناريو الانقلاب بعد التنازل.
ويعتقد المصدر أن مجموعة الثمانية داخل الإطار قد تنقلب على البدري كما انقلبت على المالكي بعد تنازل السوداني مطلع 2026، وهو ما قد يؤدي – بحسب تقديره – إلى إسقاط البدري والمالكي والسوداني دفعة واحدة من المشهد.
وكان من المفترض أن يُكلف مرشح الإطار التنسيقي مباشرة بعد إعلان رئيس الجمهورية، إلا أن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، بحسب رواية المصدر، فاجأ رئيس الجمهورية بإعلانه أن لديه " 15 يوماً" لتكليف رئيس الوزراء الجديد.
ودفعت الخلافات الشيعية – الشيعية، إلى جانب التطورات العسكرية الإقليمية وما يُعرف بـ"فيتو ترامب"، إلى تأجيل التكليف في سابقة سياسية غير مألوفة.
وكان "الإطار التنسيقي" قد حسم في وقت سابق اختيار نوري المالكي لرئاسة الحكومة في بيان تلي أمام الشاشات من قبل أمين عام الإطار عباس العامري في كانون الثاني الماضي.
كما كان محمد شياع السوداني، الذي يسعى لولاية ثانية، قد تنازل لصالح المالكي في نفس الشهر، إلا أنه لم يعلن ذلك بشكل مباشر في مقابلات تلفزيونية أو عبر منصات التواصل.
ويُفسَّر هذا السلوك من جانب السوداني بأنه محاولة لإحراج المالكي أمام المكونات الأخرى، وخصوصاً المكون السني، إضافة إلى واشنطن.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن يجري توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، سلسلة اجتماعات في بغداد، تتصدر أجندتها محاولة منع وصول حلفاء إيران إلى السلطة، إضافة إلى الدفع باتجاه "تفكيك المليشيات".
وفي المحصلة، يبدو أن "الإطار التنسيقي" وصل إلى طريق مسدود بعد فشله في تحقيق أغلبية الثلثين المطلوبة.
ونقلت النائبة عن "منظمة بدر" زهراء لقمان، أن زعيم المنظمة هادي العامري تعهّد بدعم أي مرشح يحصل على "7 تواقيع" داخل الإطار ليكون "الصوت الثامن"، في إشارة إضافية إلى استمرار لعبة الأرقام داخل المشهد السياسي الشيعي وتعطل الحسم حتى اللحظة.
The post الجار عقّد أزمة تشكيل الحكومة.. والإطار يحنّ إلى "زمن سليماني"! appeared first on جريدة المدى.





