... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
36633 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7835 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

«الجاحس» يعود للحياة بعد 25 عامًا.. ماذا نعرف عنه؟

العالم
صحيفة الصحوة العمانية
2026/03/27 - 13:12 502 مشاهدة

حصريٌّ لـ«الصحوة» – في مشهدٍ يحمل أبعادًا تتجاوز مجرد جريان المياه، استعاد فلج الجاحس في ولاية بدية نبضه من جديد، بعد توقفٍ دام نحو 25 عامًا، إثر التأثيرات المباشرة للحالة الجوية «منخفض المسرّات» التي شهدتها المحافظات الشمالية لسلطنة عُمان مؤخرًا. عودةٌ لم تكن عادية في وجدان الأهالي، بل بدت كأنها استعادة لذاكرةٍ مائيةٍ عريقة، ارتبطت بالأرض والإنسان منذ قرون.

يقع فلج الجاحس في قرية الجاحس بولاية بدية بمحافظة شمال الشرقية، ضمن بيئة صحراوية تُعد من أكثر البيئات تحديًا في إدارة الموارد المائية. ورغم قسوة الطبيعة في رمال الشرقية، استطاع العُماني أن يبتكر نظامًا دقيقًا يضمن استدامة الحياة، وكان فلج الجاحس أحد أبرز تجليات هذه العبقرية الهندسية التقليدية.

ويُصنَّف فلج الجاحس ضمن الأفلاج العدّية الحيّة، أي تلك التي تعتمد في جريانها على المياه الجوفية المستمرة نسبيًا، وهو ما يمنحه أهمية خاصة مقارنة بالأفلاج الموسمية. وتعود تغذيته الأساسية إلى وادي البطحاء، الذي يشكّل المصدر الحيوي للمياه التي تغذي قنواته، خاصة خلال مواسم الأمطار وجريان الأودية.

ومن أبرز ما يميز هذا الفلج على مستوى سلطنة عُمان، أنه يضم أطول ساعد فلج معروف، وهو “ساعد الجاحس” الذي يبلغ طوله نحو 14.5 كيلومتر، في دلالة لافتة على الامتداد الهندسي المعقد الذي بُني بعناية فائقة. كما يحتوي الفلج على ثلاثة سواعد رئيسية، بينما يصل إجمالي طول قنواته إلى نحو 15.253 كيلومتر، منها ما يقارب 15.22 كيلومتر قنوات تحت الأرض، مقابل نحو 231 مترًا فقط قنوات سطحية، وهو ما يعكس اعتمادًا كبيرًا على النظام الجوفي للحفاظ على المياه وتقليل الفاقد بالتبخر في بيئة صحراوية حارة.

هذا الامتداد الجوفي الطويل لا يعكس فقط مهارة هندسية، بل يكشف أيضًا عن فهم عميق لطبيعة الأرض، وانحداراتها، وحركة المياه فيها، حيث صُممت القنوات بانسيابية دقيقة تسمح بتدفق المياه لمسافات طويلة دون الحاجة إلى وسائل ضخ حديثة، وهو ما جعل من الأفلاج العُمانية عمومًا نظامًا فريدًا حظي باعتراف عالمي.

لكن فلج الجاحس، رغم هذا الإرث، لم يكن بمنأى عن التحديات؛ إذ شهد توقفًا طويلًا استمر نحو ربع قرن، نتيجة عوامل متعددة، أبرزها تراجع التغذية المائية، وتغير الأنماط المناخية، وربما تراكمات الرمال وتأثيرات الجفاف، وهي تحديات تواجه العديد من الأفلاج في البيئات الصحراوية.

وجاءت الحالة الجوية الأخيرة، المتمثلة في منخفض «المسرّات»، لتعيد الحياة إلى هذا الفلج، حيث أسهمت الأمطار الغزيرة وجريان الأودية في تغذية مياهه من جديد، ليصل الماء إلى القرية بعد سنوات من الانقطاع. لحظة وصول المياه لم تكن مجرد حدث طبيعي، بل تحوّلت إلى مشهد إنساني نابض، استعاد فيه الأهالي رابطًا قديمًا مع مصدر حياتهم.

وتتجاوز أهمية فلج الجاحس الجانب المائي، إذ يُعد ركيزة أساسية للزراعة المحلية، خاصة في ري النخيل والمحاصيل المحدودة في بيئة بدية، كما يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار القرى تاريخيًا، حيث ارتبط وجود التجمعات السكانية بوجود الماء. إضافة إلى ذلك، يعكس الفلج منظومة اجتماعية متكاملة تقوم على العدالة في توزيع المياه، والتنظيم الدقيق للحصص، وهو ما شكّل جزءًا من الثقافة العُمانية المرتبطة بالأفلاج.

اليوم، ومع عودته للجريان، يطرح فلج الجاحس سؤالًا أوسع حول استدامة هذه الأنظمة التقليدية في ظل التغيرات المناخية، وأهمية الحفاظ عليها وصيانتها باعتبارها إرثًا حيًا، لا مجرد آثار تاريخية. فالأفلاج ليست فقط شواهد على الماضي، بل حلول ذكية يمكن أن تلهم الحاضر والمستقبل في إدارة المياه بكفاءة.

وبين رمال بدية، حيث تبدو الصحراء ساكنة، عاد صوت الماء ليحكي من جديد… أن الحياة، مهما غابت، قادرة على أن تجد طريقها من تحت الأرض. نسأل الله أن يجعل هذه الأمطار أمطار خيرٍ وبركة، وأن ينفع بها البلاد والعباد، وأن يديم على سلطنة عُمان أمنها وخيرها ونماءها.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤