الفيدرالي بين مطرقة التضخم وسندان السياسة: هل تعود الفائدة إلى الارتفاع؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في ظل مشهد اقتصادي عالمي شديد التعقيد، لم يعد مسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة محكوماً فقط بمؤشرات التضخم التقليدية، بل بات رهينة تداخل غير مسبوق بين السياسة الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية، واختلالات سلاسل التوريد. فبعد فترة من التباطؤ النسبي في التضخم واتجاه نحو تثبيت أسعار الفائدة، عاد المشهد ليتغير سريعاً مع تصاعد الضغوط التضخمية التي دفعت المعدل السنوي إلى حدود 3.3%، بالتزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب، وعلى رأسها رفع التعريفات الجمركية على الواردات من مختلف دول العالم، وهي سياسة أعادت إحياء ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ "التضخم المستورد”. فالتعريفات، وإن كانت تهدف إلى حماية الإنتاج المحلي، إلا أنها ترفع كلفة السلع الوسيطة والنهائية، وتنتقل آثارها مباشرة إلى المستهلك النهائي، وهو ما يتسق مع تحذيرات الاقتصادي بول كروجمان الذي أشار مراراً إلى أن "الحروب التجارية لا تُكسب بسهولة، لكنها ترفع الأسعار دائماً”.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف بُعداً أكثر تعقيداً، حيث أدت إلى اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، وتراجع نسبي في إنتاج النفط والغاز، وارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية. ووفقاً لنظرية "صدمات العرض السلبية”، فإن هذه التطورات تؤدي إلى انتقال منحنى العرض الكلي إلى اليسار، ما ينتج عنه مزيج من التضخم وتباطؤ النمو، وهي الحالة التي عُرفت تاريخياً بـ "الركود التضخمي”، والتي واجهتها الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي.
في هذا السياق، يجد الفيدرالي الأميركي نفسه أمام معادلة معقدة: فرفع أسعار الفائدة قد يساعد في كبح التضخم عبر تقليص الطلب، لكنه في المقابل قد يعمّق تباطؤ النمو ويزيد من مخاطر الركود. أما تثبيت الفائدة أو خفضها، فقد يدعم النشاط الاقتصادي، لكنه قد يسمح للتضخم بالترسخ، خاصة إذا كان مدفوعاً بعوامل عرض خارجية لا يمكن السيطرة عليها نقدياً.
وتشير الأدبيات الحديثة، خصوصاً في إطار "قاعدة تايلور” (Taylor Rule)، إلى أن القرار الأمثل للبنوك المركزية يجب أن يوازن بين فجوة التضخم وفجوة الناتج. إلا أن الواقع الحالي يتجاوز هذه النماذج التقليدية، حيث تتداخل السياسة النقدية مع صدمات جيوسياسية وتجارية، ما يحدّ من فعالية الأدوات التقليدية.
أما بالنسبة للبنوك المركزية الأخرى، فإنها تواجه معضلة مشابهة، خاصة في الاقتصادات الناشئة، حيث يؤدي رفع الفائدة في الولايات المتحدة إلى تشديد الأوضاع المالية العالمية، وخروج رؤوس الأموال، وانخفاض العملات المحلية. وبالتالي، تجد هذه البنوك نفسها مضطرة إلى رفع الفائدة ليس فقط لمحاربة التضخم، بل للحفاظ على الاستقرار النقدي.
في الأردن، يبدو المشهد أكثر حساسية، نظراً لارتباط الدينار الأردني بالدولار الأميركي، ما يفرض على البنك المركزي الأردني التحرك في نطاق قريب من سياسات الفيدرالي. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، التي تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الأردني، تزداد الضغوط التضخمية، وإن كانت ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها نسبياً. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو، خاصة في ظل ارتفاع كلف التمويل وتأثيرها على الاستثمار.
وفي هذا الإطار، أرى أن ما يحدث اليوم يعيد التأكيد على ما طرحته سابقاً حول "الهشاشة المركبة”، حيث لا تأتي المخاطر من مصدر واحد، بل من تفاعل عدة صدمات في وقت واحد: تجارية، جيوسياسية، وطاقية. وهذا ما يجعل إدارة السياسة الاقتصادية أكثر تعقيداً، ويتطلب أدوات أكثر مرونة وابتكاراً.
أما فيما يتعلق بالهدنة المعلنة لمدة أسبوعين، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن مثل هذه الهدن غالباً ما تكون "اختبارات نوايا” أكثر منها حلولاً نهائية. فنجاحها في التحول إلى اتفاق دائم يعتمد على وجود إرادة سياسية حقيقية، وضمانات دولية، ومعالجة جذور النزاع، وليس فقط نتائجه. وفي ظل تعقيد المصالح الإقليمية والدولية، يبقى احتمال التوصل إلى اتفاق شامل قائماً لكنه ليس مرجحاً في المدى القصير.
الاقتصاد العالمي يقف اليوم أمام مفترق طرق دقيق، حيث لم تعد أدوات السياسة النقدية وحدها كافية لمعالجة التضخم، في ظل تداخل العوامل السياسية والاقتصادية. ومن هنا، فإن المرحلة القادمة قد تشهد تحولات أعمق في كيفية إدارة الاقتصاد العالمي، حيث يصبح التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية ضرورة حتمية للنجاة.





