... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
229330 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7824 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

الفرد وفن السيرة

ترفيه
مجلة المجلة
2026/04/21 - 05:41 502 مشاهدة
الفرد وفن السيرة layout Tue, 04/21/2026 - 06:41

من المفارقات الغريبة أن يكون الفرد غائبا، أو شبه غائب، في السير الذاتية العربية الحديثة، روائية كانت أو غير روائية (كالمذكرات). والفرد الذي نقصده هنا هو المؤلف أو صاحب السيرة، الذي رمى إلى الكتابة والتأليف اعتقادا منه بأن في حياته الشخصية ما يستحق التسجيل، لأهميته وخوفا عليه من الضياع، أو لأنه يصلح أن يكون مادة لعمل فني، كما في بعض الأعمال الروائية على وجه الخصوص.

وإذا كانت السيرة الذاتية هي في التعريف الأساسي (سيرة فردية(، مدارها حياة المؤلف، فإن ما نقصده بغياب الفرد في الإصدارات العربية الحديثة هو نوع من التحايل على السيرة، وعدم التجرؤ على إظهارها كما هي، والاستعاضة عن ذلك بالجنوح إلى الكلام عما لامسها أو أحاط بها. وفي هذه الحالة تجرد السيرة الذاتية من أبرز ما ينبغي أن يميزها، وربما يتم التفريط بما يسوغ كتابتها أو تسجيلها.

في كثير من السير الذاتية العربية الحديثة، يتكلم المؤلف، راويا كان أو متذكرا، كأنه عاش مراقبا ما جرى معه في حياته. يضع نفسه على مسافة من الوقائع، كأنه ليس هو المعني الأول بها أو المسؤول عنها. يسهب في تفصيل الحديث عن الظروف التي رافقت مسيرته، مسبغا دور "البطولة" على تلك الظروف وليس على هذه المسيرة. وإذا ما تعلق الأمر بأمور حساسة، مواقف عاطفية مثلا أو سياسية أو فكرية... أو غير ذلك، فإن المؤلف كثيرا ما يلجأ إلى نوع من التمويه، كأن يوزع نفسه أو "فرديته" على شخصيات يخترعها أو يجتلبها من الذاكرة، لكي يحملها مسؤولية تلك المواقف، أو في أحسن الأحوال لكي تشاركه هذه المسؤولية.

وكثيرا ما يلجأ المؤلف، الذي يخفي الشجاعة في الكلام على نفسه، إلى إظهار الشجاعة أو التجرؤ في الكلام على أفراد آخرين من حوله، وقد ينحو أحيانا نحو التشفي منهم. ومثل هذا يحصل كثيرا حيال شخصية الأب، أو شخصية الأم، أو غيرهما من الشخصيات المؤثرة في حياة المؤلف-الفرد. وكأن هذا الأخير يجد سهولة في تحميل أولئك الأفراد من شخصياته ما يرمي إليه من مواقف ومسؤوليات، سهولة لا يجدها في الكلام على "ذاته"، التي لا طاقة لها على التحمل، لأسباب تكون ظاهرة أحيانا أو خفية أحيانا. وفي هذا كله ما نقصده بغياب أو تغييب الفرد.

20 أبريل , 2026

في كثير من السير الذاتية العربية الحديثة، يضع المؤلف نفسه على مسافة من الوقائع كأنه ليس هو المعني الأول بها أو المسؤول عنها

يفضل المؤلف-الفرد في معظم الأحيان أن يتجنب نظرته إلى نفسه، وأن يغلب عليها نظرة الآخرين إليه، أو بالأحرى ما يحبه عن نفسه في نظر الآخرين حياله. وقد يضطره ذلك إلى تحسين الصورة وتنقيتها لكي تكون متلائمة مع ما يظنه إرضاء للآخرين. هكذا تبتعد السيرة إلى حد بعيد عن كونها سيرة "ذاتية". فالسيرة الذاتية من حيث المبدأ ينبغي أن تكون صورة الفرد عن ذاته، ينبغي أن تكون كما عاشها صاحبها ورآها، ينبغي أن تكون صادقة إن لم نقل حرفية. ومن الطبيعي أن تنطوي على مفارقات أو تناقضات، على إيجابيات وسلبيات. بكلمة أخرى، ينبغي أن تكون أقرب ما  يمكن إلى "الاعترافات".

ها هو الكلام يقودنا إلى جان جاك روسو و"اعترافاته"، حيث نجد السيرة الذاتية تجربة غير ملفقة، يتقدم فيها الفرد عاريا، ينشأ ويكبر ويغامر، يخوض الحياة على نحو فريد، يعبر عنه المؤلف بصيغة من الواقعية والصدق. هذه الصيغة من شأنها أن تبدو أمينة لنظرة المؤلف إلى نفسه، إن لم نقل مطابقة لها. هكذا يقنعنا المؤلف-الفرد بأنه قد حقق "فرديته" في الحياة وفي الكتابة عنها على السواء. يقنعنا بأنه، عندما عمد إلى كتابة سيرته الذاتية، قد اختلى بذاته لكي يراها على حقيقتها، مستبعدا نظرة الآخرين إليه أو غير آبه بـــها.

هل يقودنا الكلام، بعد هذا، إلى القول إن القضية في جوهرها تتعلق بـحضور الفرد ومكانته في المجتمع؟ هل يقودنا إلى القول إن الفرق بين السير الذاتية العربية والسير الذاتية الغربية إنـما هو في الأساس فرق بين الفرد العربي والفرد الغربي، فرق بين علاقتيهما بمجتمعين مختلفين: مجتمع عربـي يدعو أفراده إلى الذوبان في الجماعة، ومجتمع غربـي يتيح لكل فرد من أفراده إمكانيات كبيرة لتحقيق ذاته وتأكيد حضوره الشخصي.

كأن الفرد عندنا، إذ يعمد إلى تأليف سيرته، إنما يخشى من إظهار الحقيقة في تفرده أو فرديته أو فردانيته. ربما لأن إظهار الحقيقة يلقي به بعيدا عن جماعته التي يمنحه الانتماء إليها قدرا من الدفء أو الحماية، بينما يورثه الابتعاد أو الانفصال عنها شعورا بالانعزال، بل شعورا بأنه منبوذ من جماعته أو مطرود أو هامشي. فهو يعرف أن الذهاب إلى الحدود القصوى في تأكيد فرديته له أثمان يصعب عليه دفعها، وإن كان في طويته يرغب في هذا الذهاب. ولكنه غالبا ما يجد نفسه مرغما على تفاديه أو الحد من جموحه.

الفرق بين السير الذاتية العربية والغربية إنـما هو في الأساس فرق بين الفرد العربي والفرد الغربي، بين علاقتيهما بمجتمعين مختلفين

من الطبيعي أن يقودنا الكلام في هذا الموضوع إلى طرح أسئلة تتجاوز فن "السيرة الذاتية" وأشكال كتابتها. ومن الطبيعي أن يجعلنا نفكر في العلاقة بين الفرد والمجتمع وتطورها عبر مراحل تاريخنا العربي. وربـما يكون الحقل الأدبي هو المجال الأفضل للبحث في هذه العلاقة وتطورها، والمجال الأفضل للانطلاق منه إلى جميع المجالات.

21 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
Spreaker Audio
71497606
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤