الفاعل الجماعي التونسي وأزمة 'الاعتراف': قراءة في تحالفات اليسار والمنظومة القديمة
تشكلت الهوية السياسية للدولة التونسية ما بعد الاستقلال تحت هيمنة النخب الفرنكفونية، التي صاغت ما يعرف بـ 'الأساطير التأسيسية' للنمط المجتمعي التونسي. هذه النخب تحركت ضمن سقف 'البورقيبية' التي احتكرت سرديات التحرير والتحديث الفوقي، مما خلق توترات مستمرة مع التيارات الماركسية والقومية والإسلامية. اعتمدت السلطة استراتيجية التمييز بين الخصوم، حيث اعتبرت اليسار بمختلف فصائله 'تناقضاً ثانوياً' يمكن احتواؤه داخل أجهزة الدولة والنقابات. في المقابل، صُنفت الحركة الإسلامية كـ 'تناقض رئيس' وعدو وجودي للدولة-الأمة، مما استوجب تحويلها إلى ملف أمني وقضائي بامتياز. شهد عام 1987 تحولاً جذرياً مع صعود زين العابدين بن علي، حيث بدأ ما يمكن وصفه بـ 'ربيع اليسار' الوظيفي الذي تحالف مع السلطة. هذا التحالف قام على مقايضة الاعتراف السياسي بمواجهة 'الخطر الإخواني'، وهو ما عزز نفوذ اليسار في قطاعات الإعلام والثقافة والتعليم. أنتجت 'محرقة الإسلاميين' في التسعينات عقداً غير مكتوب بين النواة الصلبة للحكم و'العائلة الديمقراطية'. وبموجب هذا العقد، منحت السلطة امتيازات مادية ومعنوية لليسار مقابل شرعنة القمع وتأجيل المطالب الديمقراطية بحجة حماية النمط المجتمعي من 'الرجعية'. جاءت الثورة التونسية لتربك هذه الحسابات، حيث كشفت صناديق الاقتراع عن ضعف العمق الشعبي للأقليات الأيديولوجية التي استمدت قوتها سابقاً من السلطة. هذا الواقع دفع قطاعات واسعة من اليسار لوصم الثورة بأنها 'مؤامرة إمبريالية' لرفضهم القبول بنتائج الديمقراطية التمثيلية. عمل اليسار الوظيفي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي على محورين أساسيين لإفشال المسار المواطني. تمثل المحور الأول في رفض الاعتراف بالإسلاميين كجزء من القوى الديمقراطية، بينما ركز الثاني على التطبيع مع ورثة المنظومة القديمة لمواجهة الخصم المشترك. من جهتها، سعت حركة النهضة للحصول على 'اعتراف' يتجاوز الشرعية القانونية الهشة، مما دفعها لسياسة التوافق مع 'نداء تونس'. هذا الخيار أثبت فشله لاحقاً، حيث تحولت الحركة إلى ما يشبه 'شاهد زور' على خيارات المنظومة القديمة وحلفائها. إن الصراع السياسي في تونس هو في جوهره بحث عن 'الاعتراف' من النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي، وليس من صناديق الاقتراع. يرى التحليل أن الصراع في تونس ليس صراعاً على أصوات الناخبين بقدر ما هو سباق للحصول عل...المصدر: صحيفة القدس | Source: صحيفة القدس
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة صحيفة القدس. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by صحيفة القدس. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


