... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
142944 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3646 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الدولة وإنتاج الصحة

صحة
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/10 - 08:47 502 مشاهدة

د.علي المبروك أبوقرين

إن ما يعيشه النظام الصحي ليس أزمة موارد ولا نقص إمكانيات إنما هو انهيار وظيفي شامل يتمثل في فقدان الدولة لقدرتها على تحويل الموارد إلى خدمة، والإنفاق إلى نتائج، والمؤسسات إلى أدوات فاعلة، فنحن أمام حالة مركبة من فشل حوكمي عميق وتشوه هيكلي واضح، وانفصال كامل بين التمويل والإنتاج، حيث تمول الدولة بسخاء لكنها لا تُنتج خدمة صحية حقيقية، وتتقاضى الكوادر أجورها دون أن تعمل ضمن نظام منضبط، وتبقى البنية التحتية قائمة لكنها لا تعمل بكفاءة، ويُترك المواطن وحيدًا يدفع الثمن مرتين مرة عبر المال العام ومرة من جيبه الخاص، وهذا ليس مجرد خلل عابر إنه انتهاك صريح لمبدأ العدالة الصحية واستنزاف مستمر لقدرات المجتمع والدولة في آن واحد.

المشكلة لم تعد في الأرقام بل في غياب الحوكمة التي تدير هذه الأرقام، ولم تعد في توفر الإمكانيات ولكن في العجز عن تحويلها إلى أثر ملموس، ولم تعد في الكوادر، إنما في سوء توظيفها وغياب الانضباط المهني الذي يضبط أداءها ويعيد توجيهها نحو غاياتها الحقيقية، إن ازدواجية العمل بين القطاعين العام والخاص دون تنظيم حقيقي حولت القطاع العام إلى واجهة شكلية والقطاع الخاص إلى المستفيد الفعلي، وأفرغت الدولة من مضمونها كمقدم للخدمة، وجعلت المواطن رهينة لسوق غير منضبط، بينما تعطل آلاف الأسرة والمراكز الصحية رغم جاهزيتها الظاهرية يكشف بوضوح أن الخلل ليس فنيًا بل إداري وتشغيلي ورقابي يعكس غياب مفهوم النظام ذاته حيث توجد المكونات لكن تغيب الروابط التي تجعلها تعمل كوحدة واحدة وتُنتج خدمة حقيقية.
وفي هذا السياق يصبح الدفع من الجيب ليس خيارًا بل إكراهًا قاسيًا يفرضه غياب الخدمة العامة، وهو ما يؤدي إلى إفقار المجتمع تدريجيًا وتحميله تكلفة نظام صحي لا يعمل رغم تمويله الكامل، وتكمن خطورة هذه الحالة في أنها لا تنتج فقط خللًا مؤقتًا بل تؤسس لثقافة اعتياد الفشل حيث يصبح الفساد مقبولًا والازدواجية أمرًا طبيعيًا والدفع من الجيب قدرًا محتومًا.

وهنا تتحول الأزمة من حالة طارئة إلى نمط مستقر ومن انحراف إلى قاعدة غير معلنة ، وفي قلب هذا الخلل الجذري تبرز حقيقة لا يجوز الالتفاف عليها وهي أن العلاج في أصله حق مكفول بالقانون وممول بالكامل من المال العام المدرج في الميزانية العامة للدولة ، وبالتالي لا ينبغي أن يدفع المريض درهمًا واحدًا مقابل خدمة صحية يفترض أنها متاحة له بحكم هذا العقد الضمني بين الدولة والمجتمع، كما لا يجوز لأي مقدم خدمة صحية يتقاضى راتبه من الدولة مقابل أداء هذه الخدمة أن يستوفي أي مقابل مالي من المريض تحت أي مسمى، لأن ذلك يمثل ازدواجًا في الاستحقاق وإخلالًا صريحًا بالعدالة وتحويلًا للخدمة العامة إلى سلعة تُباع رغم أنها مدفوعة سلفًا من موارد المجتمع.

وهذا الواقع حين يحدث لا يعكس فقط خللًا إداريًا بل يكشف عن انحراف وظيفي وأخلاقي يضرب في جوهر فكرة الدولة الراعية ، ويحول المواطن من صاحب حق إلى ممول مضاعف لنفس الخدمة، إن المبدأ الحاكم لأي إصلاح حقيقي يجب أن يكون واضحًا وصارمًا لا تمويل بدون إنتاج، ولا أجر بدون عمل، ولا خدمة بدون مساءلة، ومن هذا المنطلق فإن استعادة وظيفة الدولة تبدأ بإعادة تعريف دورها من ممول سلبي إلى مشترٍ ذكي للخدمة يربط الإنفاق بالأداء ويوقف التمويل غير المشروط ويفرض نظامًا صارمًا للمساءلة، كما تتطلب فصلًا حقيقيًا ومنظمًا بين القطاعين العام والخاص، ينهي الازدواجية ويعيد الانضباط ويضمن عدالة تقديم الخدمة، ويستلزم تفعيل السعة التشغيلية بالكامل بحيث لا يبقى سرير خارج الخدمة ولا منشأة تعمل دون إنتاج، وربط كل تمويل بمخرجات قابلة للقياس، كما يقتضي بناء نظام تمويل عادل يضمن الحماية المالية الكاملة للمواطن ويقضي على ظاهرة الدفع من الجيب ويعيد توجيه الدعم إلى مستحقيه مباشرة ، ويعتمد على بيانات دقيقة ونظم معلومات موحدة تجعل القرار مبنيًا على الواقع لا على الانطباعات.

ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون استعادة الانضباط المهني، وتطبيق قواعد صارمة للمساءلة تربط الترقيات بالأداء، وتنهي ثقافة الإفلات من العقاب، إن استمرار الوضع القائم لا يعني فقط بقاء الخلل بل يعني تعميقه وتحويله إلى عبء وجودي يهدد المجتمع ويستنزف الدولة ويقوض الثقة في مؤسساتها، فالدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها صحيًا رغم امتلاكها الموارد تفقد أحد أهم مبررات وجودها والإصلاح في هذه الحالة ليس خيارًا بل ضرورة وجودية لأن المشكلة في جوهرها ليست في قلة الإمكانيات بل في غياب النظام الذي يجعل هذه الإمكانيات تعمل وتنتج الصحة وتحفظ كرامة الإنسان وتعيد التوازن بين الدولة والمجتمع.

The post الدولة وإنتاج الصحة appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤