منصة فواصل الاخبارية |
لم تخرج دولة عربية واحدة في المشرق والمغرب من رحم الاستعمار بنفس الهوية السياسية التي كانت عليها قبله. فما نسميه اليوم “الدولة الوطنية” هو في جوهره مشروع سياسي صُنع في بريطانيا وفرنسا، ثم أُلبس ثوباً عربياً أو إسلامياً. لقد ورثت الدولة الوطنية من الاستعمار خريطة الدولة ونظامها السياسي، وكانت إرادة الشعوب غائبة عن رسم الخارطة، بينما حضرت مصالح المستعمرين في تحديد الشكل الأنسب لإدارة المقدرات.
أما الفارق الجوهري بين الموروث البريطاني والفرنسي، فلم يكن عفوياً، بل نابعاً من فلسفة كل إمبراطورية في الحكم.
بريطانيا التي كانت ملكية دستورية، آثرت تصدير نموذجها، فعمدت إلى تأسيس ممالك، واسترضاء النخب القبلية والعشائرية ومنحها شرعية ملكية، كما فعلت في الأردن والعراق، وحتى في مصر وليبيا، حيث أيّدت سلالة محمد علي رغم قدمها. كانت الملكية آلية ذكية لبريطانيا؛ فهي تضمن ولاء الحاكم، وتُبقي البلاد ضمن دائرة النفوذ، وتُمرر القرارات الاستراتيجية تحت غطاء شرعي يحظى بالقبول الشعبي النسبي.
في المقابل، نظرت فرنسا الجمهورية إلى مستعمراتها باعتبارها امتداداً للجمهورية الأم، فطبقت نموذجها العلماني والمركزي في سوريا ولبنان وتونس، وفي الجزائر التي اعتبرتها أرضاً فرنسية خالصة، فألغت أي سلطة محلية ونصبت حكّاماً عاميين يديرون البلاد كأقاليم ما وراء البحار.
لكن هذه الثنائية الصارمة تصطدم بحالة المغرب، الاستثناء الأكبر الذي يُؤكد القاعدة. فالمغرب رغم وقوعه تحت الهيمنة الفرنسية، خرج إلى الاستقلال مملكةً، وليس جمهورية. والسبب أن فرنسا لم تتعامل مع المغرب كجزء من الوطن الأم، بل كـدولة تحت الحماية بموجب معاهدة 1912. نظرياً، أبقت هذه المعاهدة على سلطان المغرب (الذي يحمل لقب أمير المؤمنين) كرأس دولة صوري، بينما تسيطر فرنسا فعلياً على الجيش والسياسة الخارجية في صورة من البرغماتية السياسية.
التجربة في تونس تؤكد هذه البراغماتية ففرنسا أبقت على نظام الباي الملكي هناك أيضاً في ظل الحماية، ولكن بعد الاستقلال، أطاحت الثورة التونسية بالنظام الملكي وأعلنت الجمهورية عام 1957، مما يثبت أن الاستعمار كان يختار شكلاً معيناً لتسيير الأمور، لكن المصير النهائي ظل رهناً بالصراع الداخلي بعد الرحيل.
إذن، القاعدة الأعمق هي “بريطانيا = ملكية وفرنسا جمهورية” مع استثناءات براغماتية صرفة فالمستعمر يحتفظ بالشكل السياسي القائم إذا كان مفيداً له في الحكم غير المباشر، ويلغيه إذا كان ينوي الاستيطان والضم المباشر.
بريطانيا ألغت الملكية في العراق حين تهددت مصالحها، وفرنسا ألغت السلطنة في الجزائر لكنها أبقتها في المغرب وتونس ما دامت تؤدي الغرض.
وهكذا، تبقى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعيش إرثاً معقداً، ممالك وُلدت في أحضان جمهوريات، وجمهوريات قامت على أنقاض ممالك، وشكلان سياسيان يحملان في جذورهما بصمة المستعمِر، وإن تباينت مسارات التطور بعد الاستقلال. ما زالت المنطقة تدفع ثمن هذه الوراثة، في صراعها بين توثيق الملكية وتمركز الجمهورية، دون أن تجد بعدُ صيغة سياسية تنبثق من واقعها التاريخي الخالص، بل من تشوّهات حدودية وأنظمة وُضعت أصلاً لخدمة غيرنا، قبل أن نضطر نحن إلى التعايش معها أو الانقلاب عليها.
فوزي عمار
The post الدولة الوطنية وشكلها appeared first on منصة فواصل Fawasel Media.




