البيشمركة... رجال يستبقون الموت
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في اللغة الكردية لا تحمل الكلمات أحيانًا معانيها فحسب، بل تحمل روح أمة بأكملها، فكلمة "بيشمركة" مركّبة من مقطعين: "بيش" وتعني أمام، و"مركه" وتعني الموت، فتصبح في مجملها: أولئك الذين يستبقون الموت، وفي هذا الاسم وحده تكمن فلسفة حركة تحرر استثنائية، امتدت من جبال بارزان في مطلع القرن العشرين حتى سهول نينوى ومضائق سنجار في مواجهة أشد تنظيمات الإرهاب توحشًا في التاريخ المعاصر. لا يمكن الحديث عن البيشمركة دون العودة إلى الشيخ عبد السلام بارزاني، الذي أشعل بين عامي 1907 و1914 أولى شرارات المقاومة الكردية المنظمة، لم يكن تحركه عصيانًا قبليًا عابرًا، بل وعيًا سياسيًا مبكرًا بحقوق شعب في أرضه ولغته وهويته، وأسّس لمبدأ راسخ سيتوارثه المقاتلون جيلًا بعد جيل: أن السلاح وسيلة لنيل الحقوق لا غاية في ذاته، وحين نُفّذ فيه حكم الإعدام في الموصل عام 1914، لم يُعدم رجلًا، بل صنع منه خصومه أيقونة تأسيسية لا تنطفئ. في عام 1946، أعلن القاضي محمد في مهاباد الإيرانية قيام جمهورية كردستان، أولى الجمهوريات الكردية في التاريخ الحديث، فقاد مصطفى البارزاني قواته عبر مسالك جبلية وعرة من كردستان العراق ليصل إلى مهاباد، مانحًا الجمهورية الوليدة دعمًا عسكريًا وروحيًا في تجسيد حيّ للهوية الكردية الجامعة التي تتخطى حدود سايكس-بيكو، وحين انهارت الجمهورية تحت وطأة التدخل الإيراني، آثر البارزاني الانسحاب نحو الاتحاد السوفيتي على الاستسلام، في ملحمة حُفرت في الوجدان الكردي كرمز للعزة والإباء. في 1961 أطلق البارزاني ثورة أيلول (سبتمبر) الكبرى، فكانت البيشمركة قوتها الضاربة التي أربكت الجيش العراقي أكثر من عقد، وما ميّز تلك المرحلة وسائر مراحل الكفاح ليس الانتصارات وحدها، بل النمط الأخلاقي الصارم الذي لم تحد عنه القوات طوال تاريخها: لم تُسجَّل بحقها جرائم حرب ممنهجة، ولم يُوثَّق انتهاك منظّم لحقوق الأسرى، التزم مقاتلوها بأخلاقيات الحرب النبيلة في الاعتناء بالجرحى واحترام الأسرى والتمييز بين المقاتل والمدني، لأن شعبًا يطلب الحرية لا يمكنه أن يُنتج ظلمًا دون أن يُدين نفسه قبل أعدائه. في آذار (مارس) 1991، اندفعت البيشمركة كالسيل لتُحرّر أربيل والسليمانية ودهوك في أيام، فوُلد من رحم تلك الانتفاضة إقليم كردستان الذي تحوّل إلى كيان شبه مستقل معترف به دوليًا، ومع هذا الاستحقاق الجديد، تحوّلت البيشمركة من قوات ثورية إلى مؤسسة عسكرية نظامية تضمّها وزارة تحمل اسمها: وزارة البيشمركة، في سابقة لا نظير لها في العالم. في صيف 2014 وجد داعش في البيشمركة صخرة لم تتزحزح حين انهار أمامه الجيش النظامي، وما استوقف العالم لم يكن الشجاعة في الميدان فحسب، بل طريقة التعامل مع الأسرى والجرحى التي رصدتها تقارير دولية بإعجاب واسع، وتوّج ذلك كله أن أطلقت باريس اسم البيشمركة على أحد شوارعها، تكريمًا لدورها في تحطيم أسطورة الخوف ومكافحة الإرهاب، فأصبحت قوة من الشرق الأوسط تحفر اسمها في خارطة عاصمة النور. غير أن هذه المكانة لا تُعفيها من مواجهة محاولات تشكيك مُبيَّتة، إذ تسعى بعض الفصائل المسلحة ذات المرجعيات الخارجية إلى وضع البيشمركة في خانة "الميليشيات" والمطالبة بتسليم أسلحتها، وهذا الطرح يكشف عن مشروع لتفكيك المؤسسات الشرعية لحساب قوى لا تعترف بالدولة إلا حين تخدم أجنداتها، فالبيشمركة قوات دستورية بامتياز، كفلت شرعيتها الفقرة الخامسة من المادة 121 التي تمنح الإقليم صلاحية تأسيس قوات أمنية داخلية، فضلًا عن المادة 117 التي تُقرّ بالوضع القائم للإقليم وتُلزم بضمان حقوقه، وقد ردّ الرئيس مسعود بارزاني على هذه المتداولات بوضوح لا يقبل التأويل، مؤكدًا أن المطالبة بحلّ البيشمركة ليست دعوة إلى الوحدة الوطنية، بل مساس بالمكتسبات الدستورية للشعب الكردي وتهديد صريح لأمن الإقليم. في عالم تتزاحم فيه جيوش تبحث عن شرعية وميليشيات تلبس أثواب الوطنية، تقف البيشمركة حالة استثنائية؛ لأن سجلها الأخلاقي على امتداد أكثر من قرن يشهد على مقاتل عرّف نفسه بعلاقته مع الموت لا بعلاقته مع السلطة، وحين تُطلق باريس اسمها على شارع في قلبها النابض، فإنها لا تُكرّم جيشًا فحسب، بل تُكرّم فكرة إنسانية عابرة للحدود: أن الشجاعة الحقيقية لا تتناقض مع الرحمة.




