البرملة
البرملة
شبلي العجارمة
لقد تعايشت مع آخر رشفة من فنجان الزمن الطيب القديم ؛ حين كان يتم ترتيب موعد صبة السقوف لبيوت القرية على الدور ، لم يكن هنالك ونش كهربائي ، أو حتى روافع هيدروليكية ، كانت أسقف البيوت هابطة بشكل تسمح لنا الأطفال بالشعبطة واللعب على ظهورها ، كان موعد صبة إحدى البيوت العتيقة أشبه بعرسٍ قروي، كنا نحن الصبية ندور على البيوت نطلب البراميل الفارغة لملئها بماء الحنفية التي لم أذكر أنها انقطعت يومًا ما أو حتى كان هنالك دور ماء لمدينة أو قرية دون اختها . أكثر لحظات النشاز حين كنت أنا وأقراني من الأطفال عندما يرسلني جدي لاستعارة البراميل الكثيرة للصبة ، ندحرج البراميل الفارغة من الصفيح على الإسفلت الفقير أو تلك الساحات الموشحة بالصوان أو حجر الصفاة ، كانت البراميل مثل طبول الحرب تبعثر ذاك الضجيج في القرى الغارقة بالصمت حينها ، لن أنسى وصايا أصحاب البراميل الذين أعاروها لجدي ؛ أحدهم قال لي : ((سلم على جدك وقوله هذا البرميل نسقي الحلال منه لا يتوخر علينا )) ، آخر قال لي : ((هذا البرميل ودنا نقعد فيه الدجاجة البرقا على البيض )) ، إمرأة أخرى قال لي : (( هذا البرميل حاطينه للغسيل بس تخلصوا جيبوه )). كثيرًا ما حسبت أن البراميل ذات وجاهة دائرية ذات مساحة رياضية محكمة ، حتى فيزيائية حركتها كانت مدروسة بعناية عندما تفرغ من محتواها يتم التحكم بها حتى من قبل طفل صغير يدحرجها من أي مكان وفي أي وقت .
ذات يوم أكل الصدأ إحدى براميل بيت جدي ، وقالت لي جدتي حينها :(( يا جديدتي خذوا هالبرميل والعبوا بيه بس خذوه بعيد ولا تقرقعونا بصوته )) ، وأذكر حينها كأنني حصلت على سيارة فاخرة ومن اخر طراز ، كنت أدحرجه وأنافس الصبية بدحرجة عجال الكوشوك ، وكأنني أقود تريلا كبير وضخمة لأن دوران البرميل كان ثقيلًا عند المنعطفات الحادة والحرجة .
كبرت ، تبدلت كل صور الماضي ، غابت البراميل من حكايات ؛ الصبات ، البيادر ، واندثرت من أمام بيوت الشعر ، حتى أنواعها اختلفت فصارت البراميل تصنع من : الكرتون ،البلاستيك ، والحديد ، لكنها باتت تعاني البطالة ، فاندحرت من واجهة المستخدم والاستخدام إلى كل مكان مظلم ،عبثي ،بلا جدوى .
لكن البراميل حسب نظرية (داروين ) ، أو ( بجماليون) النحات دبت الأرواح فيها من جديد ، براميل تبدأ قزمة صغيرة ،ذات أحجام ضيقة ومحدودة حتى تصبح مترامية الأطراف ،تشغل حيزًا في الفراغات الخطأ ، تتأنق بأفخر البدلات وتوابعها ، تظهر على الشاشات المهجورة والمنسية ، تبحث عن مساحات من الصخور الحادة لتصدر المزيد من الصوت وترسل الكثير من الصدى ، وحين تجف آخر قطرات التنظير والنظريات المكذوبة ؛ تصبح هذه البراميل أكثر إزعجًا ، تحاول الدحرجة في كل ملطمة ، أو في كل مطربة ، تحاول القرقعة أو حتى الخرخشة لوضع حدٍ لبديهية تهميشها ، لكن تلك البراميل وهي تصبح أصنامًا أو خشبًا مسندة تلاشى مع بريقها القلم والدفتر وبطاقات ( الفيزت كارد) التي كانت مجرد ديكور فاضح لتجفيف آمال البسطاء حين كانوا يفترضون المساعدة لجلب منفعة أو الفوز بحق مسلوب ، أو حتى الإنصاف من مظلمة بلا شهود ولا حتى حجة واضحة .
البرملة نظرية ليست بالضرورة عن الحجم بقدر ما هي نهج أبجدي ، وسردية متواترة ، وطريق بلا أرصفة ذو اتجاه واحد .





