🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
922,234 مقال 401 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 4,111 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

«الأزمنة الحديثة»: كيف أصبح عامل التوصيل وريث تشارلي تشابلن؟

ترفيه
حبر
2026/05/01 - 11:03 507 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

قبل ثلاثة عقودٍ، وفي نادٍ صغير للأطفال شاهدتُ لأول مرةٍ فيلم «الأزمنة الحديثة».

في غرفةٍ معتمةٍ ينعكس عليها ضوء الشاشة الوامض ويختلط فيها أزيز التلفاز القديم ودويّ مروحة السقف التي بالكاد تُحرّك الهواء مع ضحكات الأطفال الساذجة وهم يتابعون مشية تشارلي تشابلن العجيبة.

ثم في كل مرحلة من العمر بدا لي هذا الفيلم «الأيقوني» وكأنه يقدم فهمًا محايثاً لما يجري، وراء قناع الفكاهة.

هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.

قبل ثلاثة عقودٍ، وفي نادٍ صغير للأطفال شاهدتُ لأول مرةٍ فيلم «الأزمنة الحديثة». في غرفةٍ معتمةٍ ينعكس عليها ضوء الشاشة الوامض ويختلط فيها أزيز التلفاز القديم ودويّ مروحة السقف التي بالكاد تُحرّك الهواء مع ضحكات الأطفال الساذجة وهم يتابعون مشية تشارلي تشابلن العجيبة. ثم في كل مرحلة من العمر بدا لي هذا الفيلم «الأيقوني» وكأنه يقدم فهمًا محايثاً لما يجري، وراء قناع الفكاهة. وهو بذلك يقاوم الزمن، مدركًا عامه التسعين، وما زال قادرًا على تقديم فهمٍ متجددٍ لحال الإنسان المهدور على خطوط الإنتاج الحقيقية والافتراضية. فالفيلم الذي شكل نقطة تحول جوهرية في مسيرة تشابلن السينمائية، عندما انتقل فيه من الكوميديا البحتة إلى تقديم النقد الاجتماعي والسياسي اللاذع، ما زال دليلًا بصريًا على أن التحولات التي نعتقد أنها جرت على نحو جذري في تاريخ العمل منذ زهاء القرن، لم تُخرِج العامل بعد من دوامة الاغتراب، بل قامت بتكييف هذا الاغتراب في أشكالٍ جديدةٍ مظللة.

ظل مفهوم الاغتراب محوريًا وراهنيًا باستمرار في نقد الرأسمالية الصناعية وما بعد الصناعية. ورغم أنه غالبًا ما يستحضر النقد الماركسي لعلاقات الإنتاج في القرن التاسع عشر، إلا أن أهميته تمتد إلى عصرنا الحالي، لا سيما في ظل أشكال العمل غير المستقر والوسيط رقميًا. وبالتأمل في مواطن الاغتراب، ربما يمكن إسقاط صورة «الوغد الطريد»، التي جسدها تشارلي تشابلن في «الأزمنة الحديثة»، على عامل التوصيل في الرأسمالية المعاصرة. ذلك اللاهث على نقاط خط التوصيل في الخريطة، والذي تلاحقه رقابة المنصات التي تُشغله بلا هوادة، والمجرّد من أبسط الحقوق ضمن علاقات إنتاج لا متكافئة، المكافح من أجل البقاء في ظلّ وتيرة عمل مرهقة ومجرّدة من الإنسانية.

مصنع بلا جدران 

بين عامل التوصيل المعاصر وبطل «الأزمنة الحديثة» قواسم مشتركة كثيرة تجعل منه وريثًا شرعيًا له في البؤس والاغتراب. وهذا التشابه ينطبق حتى على طبيعة العصر. فقد جسد تشابلن تلك الشخصية المبهرة مدفوعًا بجولة قادته إلى المدن الصناعية في عصر الركود العظيم، حيث شاهد بؤس العمال عيانًا. في ذلك العصر الذي كلّله الركود، عاشت البشرية صعود الفاشية وتصاعد نُذر الحرب، التي لم تلبث طويلًا حتى اندلعت في عام 1939. وربما اليوم، نعيش أكثر فترات تاريخنا المعاصر شبهًا بالثلاثينيات، في ظل تصاعد الفاشية الجديدة وتحوّل النظام الدولي إلى عصر الافتراس الاقتصادي والجيوسياسي. فقد عكس الفيلم في ذلك الوقت مخاوف واسعة النطاق بشأن التصنيع والبطالة وتراجع مهارات العمال، مصورًا هؤلاء العمال تروسًا في آلة أكبر، حرفيًا ومجازيًا. وربما اليوم لو أُعيدت قراءته بمنظور جديد سيعكس الخشية من تحول البشر إلى مجرد خوارزميات تذروها المنصات.

يبدو الركض اللاهث وراء الحياة هو المشترك الأساسي بين عامل التوصيل المعاصر وبطل «الأزمنة الحديثة». في «الأزمنة الحديثة» يُعدّ مشهد تشابلن وهو يشدّ البراغي على خط سير ناقل يتحرك بسرعة خارقة من أكثر المشاهد شهرةً. يتلوى جسده ويهتزّ، ثم يتعطل في النهاية، ليصبح امتدادًا للآلة. وهو تجسيد بصري ساخر من طبيعة التّيلرة الصارمة. وهو تقريبًا ما يواجهه عامل التوصيل اليوم في ظل التّيلرة الخوارزمية، وهو يلاحق نقاط التوصيل على الخريطة الافتراضية. ومع ذلك يبدو تشابلن أكثر حظًا من عامل التوصيل، لأن العامل في التيلرة الصناعية كان قادرًا على التنبؤ بمهمته المتكررة على خطّ الإنتاج، وهي مهمة شدّ الصامولة، ثم ينتقل إلى الصامولة التالية، ومع أنه يواجه الإرهاق البدني وفقدان السيطرة على الحركة إلا أن طبيعة عمله واضحة وثابتة. على عكس عامل التوصيل الذي يفقد القدرة على التنبؤ، لأن نقطة الالتقاء أو التسليم على الخريطة تتغير باستمرار. والمسار ليس خطيًا، بل متعرجًا وفوضويًا عبر المدينة، وبذا أصبحت المدينة بأكملها بمثابة مصنع بلا جدران. 

لذلك لم تعد التّيلرة تحتاج تزامنًا جسديًا بقدر ما تتطلب خضوعًا نفسيًا، فعندما يفشل تشابلن على خط الإنتاج المتسارع ينهار جسديًا. أما عامل التوصيل، ففشله يعني فصله بواسطة الخوارزمية. فضلًا عن ضغط نقطة الاستلام الأشد خبثًا لأنها مُصمّمة على شكل لعبة، حيث يثبّت العامل نظره باستمرار على الشاشة، لحساب أفضل مسار وسط الخشية من انخفاض معدل قبوله.

المشترك الثاني بين عامل التوصيل وتشابلن هو طبيعة الرقابة التي يفرضها رأس المال. في «الأزمنة الحديثة» يصور مشهد شهير مدير المصنع، جالسًا في مكتب فاخر، وهو يراقب خطوط الإنتاج عبر شاشة تلفزيونية ضخمة، ويصدر أوامر بتسريع العمل ويتجسس على العمال. كان المشهد طليعيًا في نقد نظام المراقبة الشاملة، الذي حوّل المصانع إلى سجون، وهي رقابة لم تختف يومًا ولكنها تحولت إلى أشكال جديدةٍ. اليوم، أصبح مدير المصنع هو الخوارزمية التي حوّلت الرقابة والتحكم من التلصص البصري المباشر إلى مراقبة البيانات. في كلا العصرين، لا يملك العامل أي مساحة خاصة. في «الأزمنة الحديثة»، يبدو الحمام الملاذ الوحيد للعامل، ومع ذلك فقد خضع للمراقبة المباشرة من المدير. أمّا اليوم فيتم تتبع سائقي التوصيل عبر نظام تحديد المواقع من لحظة تسجيل دخولهم إلى لحظة خروجهم. يعرف التطبيق سرعتهم وموقعهم، وما إذا كانوا يتوقفون لأخذ استراحة.

ربما يمكن إسقاط صورة «الوغد الطريد»، التي جسدها تشارلي تشابلن في فيلم «الأزمنة الحديثة»، على عامل التوصيل في الرأسمالية المعاصرة، ذلك اللاهث على نقاط خط التوصيل في الخريطة، والذي تلاحقه رقابة المنصات التي تُشغله بلا هوادة، والمجرّد من أبسط الحقوق ضمن علاقات إنتاج لا متكافئة.

ما يجعل الراهن أكثر بؤسًا من الماضي هو الدور التضليلي الذي تلعبه الخوارزميات من خلال التحكم بالمعلومات حيث يقوم التطبيق بحجب رؤية السائق للسوق، ويحدد الطلبات التي يراها وتلك التي تُخفى عنه، ويتلاعب بالنقاط لإبقاء السائق حيثما يحتاجه النظام، وليس بالضرورة حيث يرغب هو. وكذلك من خلال التعطيل كشكلٍ أقصى للرقابة الحديثة. فإذا اشتكى عاملٌ أو انتقد الشركة لا يُوبَّخ، بل يختفي ببساطة من النظام، يُعطَّل حسابه، ويُقضى على مصدر رزقه بضغطة زرّ. حيث لا يوجد مديرٌ للنقاش معه، بل نظام رقمي صارم. فضلًا عن أنظمة التقييم الصماء، فعلى خلاف العامل الصناعي القديم الذي يقيّمه صاحب العمل، صار الزبون اليوم هو مَن يقوم بهذه العملية، وتُطبّق الخوارزمية هذا التقييم. ويُعتبر التقييم السيئ بمثابة رقابة على السمعة، مما قد يُقلّل من أولوية العامل في الحصول على الطلبات الجيدة.

يمكن تلخيص استمرارية هذا الاغتراب بين العامل الصناعي القديم وعامل التوصيل الحديث في التشخيص الماركسي البارع حول الفصل بين العامل وعمله في نمط الإنتاج الرأسمالي، كونه لا يستطيع التحكم في ظروف عمله أو نتائجه، وبالتالي يتم تعريفه من خلال موقعه في الإنتاج بدلًا من كينونته الإنسانية. فعلى الرغم من عدم وجود خط تجميع مادي، إلا أن التطبيق الرقمي في الواقع ينشئ خط تجميع افتراضيًا حيث تكون كل عملية تسليم وحدة عمل تخضع لضغوط التحسين. ولأن كل عملية توصيل تُعتبر مهمة منفصلة، فإنه يكاد ينعدم الترابط أو الشعور بالبناء نحو أهداف أكبر، حيث يتألف يوم العامل في النهاية من تفاعلات متقطعة تتم بوساطة تطبيق. وفوق كل ذلك، يواجه عامل التوصيل اليوم العزلة الاجتماعية، فعلى عكس فضاء المصنع حيث يتشارك العمال المساحة المادية والشعور بالتجربة الجماعية، حتى وإن كانوا مُستغلين، يعمل عمال التوصيل غالبًا بشكل فردي وتنافسي. ينتقلون من مكان إلى آخر، ويتفاعلون مع العملاء لفترة وجيزة، هذا إن تفاعلوا أصلًا، وهذا العزل يُفاقم الشعور بالاغتراب. فضلًا عن أن العديد من المنصات تعتمد أنظمة تقييم تتطلب الود والاحترافية ورضا العملاء، ويتعين على العاملين إدارة عواطفهم وسلوكهم – حتى بالنفاق أحيانًا – لضمان استمرار العمل، رغم قلّة سيطرتهم على الظروف النظامية التي تؤثر على وظائفهم. وهو جهد عاطفي ثقيل تمليه توقعات المنصة، بدلًا من إيجاد تعبير حقيقي أو تبادل للمعاملة بالمثل.

رأسمالية المنصات 

أعادت الأزمة المالية عام 2008 تشكيل طبيعة العمل في العالم على نحو جذري، لا سيما مع تطور اقتصاديات العمل الحر الذي ازدهر عقب الأزمة وتسارع نموه خلال جائحة كورونا. وقد أحدثت شركات مثل «أوبر» ثورة في الخدمات اللوجستية التقليدية من خلال استخدام الإدارة الخوارزمية. وعلى عكس خدمات التوصيل التقليدية، لا تمتلك هذه المنصات أسطول المركبات ولا توظف العمال بشكل مباشرٍ، بل تمتلك فقط البنية التحتية الرقمية التي تربط المستهلك بالعامل. ويقدر حجم سوق توصيل الطعام وحده عبر الإنترنت عالميًا بنحو 288 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 505 مليارات دولار بحلول عام 2030، مسجلًا نموًا سنويًا مركبًا قدره 9.4% خلال الفترة من 2025 إلى 2030، مدفوعًا بالانتشار المتزايد للهواتف الذكية واتصال الإنترنت. ومع ازدياد عدد الأشخاص الذين يحصلون على هواتف ذكية بأسعار معقولة وإنترنت فائق السرعة، أصبح طلب الطعام عبر الإنترنت أكثر سهولة وراحة.

 ومع ذلك، لا يقتصر هذا القطاع على الطعام فحسب، بل يشمل أيضا توصيل البقالة وخدمات توصيل الطرود، وخدمات قضاء الحاجات. ويتسم هيكل هذه السوق بطابع احتكاري قليل البائعين. ففي العديد من المناطق، أدت ديناميكية «الفائز يستحوذ على كل شيء» إلى عمليات اندماج واستحواذ. حيث تهيمن شركة «ميتوان» على السوق في الصين، وتستحوذ شركة «دورداش» على حصة سوقية كبيرة في الولايات المتحدة، بينما تُعدّ شركة «ديليفيرو» من اللاعبين الرئيسيين في أوروبا. ويُؤدي هذا الاندماج والاستحواذ إلى ضغوط هائلة للحفاظ على الربحية مما يدفع إلى اتخاذ تدابير لخفض التكاليف، والتي تؤثر حتما على أدنى مستوى في عملية الإنتاج وهو عامل التوصيل.

ومن أبرز سمات قطاع التوصيل دوره كـ«جهة توظيف مرنة» أو مصدر دخل إضافي بالغ الأهمية. ويُعرف بسهولة الانضمام إليه، ففي كثير من الأحيان لا يتطلب الأمر سوى سيارة أو دراجة وهاتف ذكي. وقد جعلت هذه السهولة القطاع جاذبا لمجموعة متنوعة من العاملين. لكن ثمة فرق بين القوى العاملة «الأساسية»، التي تعتمد على التوصيل كمصدر دخلها الرئيسي، والقوى العاملة «الهامشية»، التي تعمل بدوام جزئي، إلا أن الخط الفاصل بينهما يتلاشى تدريجيًا، فمع أزمة غلاء المعيشة العالمية، حيث يؤدي التضخم إلى ارتفاع الإيجارات وأسعار المواد الغذائية وتكاليف الطاقة، بات الكثير ممن كانوا ينظرون إلى عمل التوصيل سابقًا كعمل إضافي، مضطرين الآن إلى اعتباره وسيلة أساسية للبقاء على قيد الحياة. ويستوعب القطاع فئات مختلفة أبرزها المهاجرون، لا سيما في المدن العالمية الكبرى، حيث تتشكل القوى العاملة بشكل كبير من المهاجرين الجدد الذين يواجهون حواجز لغوية. وكذلك العاطلون عن العمل جزئيًا من خريجي الجامعات والعمال الذين لا يستطيعون إيجاد وظائف في مجالات تخصصهم فيلجؤون إلى المنصات الإلكترونية كحلّ مؤقت. فضلًا عن العمالة الرثة المكونة من أولئك الذين كانوا يعملون في الوظائف التقليدية مثل التجزئة والتصنيع، والذين قُلّصت ساعات عملهم فيستخدمون تطبيقات التوصيل لسد الفجوة. لكن هذه «المرونة» التي تروج لها المنصات غالبًا ما تكون سلاحاً ذا حدين، فبينما تتيح للعاملين تسجيل الدخول وقتما يشاؤون، فإنها تعني أيضًا عدم وجود حد أدنى مضمون للدخل، وفي أوقات التضخم المرتفع يُجبر العاملون على العمل لساعات أطول، وغالبًا في ظروف خطرة لمجرد الحفاظ على قدرتهم الشرائية.

ويعاني القطاع من مشاكل هيكلية نابعة من نموذج أعماله، وهي سمات لنمط إنتاج محدد. أولها الأجور غير المستقرة والغموض الخوارزمي، فنموذج الأجر بالقطعة، أي الدفع مقابل كل توصيلة بدلًا من الأجر بالساعة، يعني أن دخل السائق يخضع لعوامل خارجة عن سيطرته، مثل حركة المرور والطقس وأوقات الانتظار في المطاعم. وكثيرًا ما تلجأ منصات التوصيل إلى «التسعير الديناميكي»، حيث تخفض الأجر لكل توصيلة عندما يكون عدد السائقين المتصلين كبيرًا جدًا، مما يؤدي فعليًا إلى منافسة عالية بين العمال. علاوة على ذلك، تُعدّ الخوارزمية بمثابة صندوق أسود، فغالبًا ما يجهل العمال كيفية حساب أجورهم أو سبب انخفاض عدد الطلبات التي يتلقونها، وهذا النقص في الشفافية يجعل من الصعب على العاملين التنبؤ بدخلهم أو التخطيط لحياتهم.

عكسَ فيلم «الأزمنة الحديثة» قبل تسعين عامًا مخاوف واسعة النطاق بشأن التصنيع والبطالة وتراجع مهارات العمال، مصورًا هؤلاء العمال تروسًا في آلة أكبر، حرفيًا ومجازيًا. وربما اليوم لو أُعيدت قراءته بمنظور جديد سيعكس الخشية من تحول البشر إلى مجرد خوارزميات تذروها المنصات.

المشكلة الهيكلية الثانية هي غياب الحماية الاجتماعية، حيث تصنف المنصات العاملين معها على أنهم «متعاقدون مستقلون» وليسوا موظفين. ويتيح لها هذا التصنيف التهرب من دفع تكاليف التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والإجازات المرضية المدفوعة والتأمين ضد البطالة ومساهمات التقاعد. فعندما يمرض السائق أو يتعرض لحادث، لا يحصل على أي دخل ولا يتلقى أي دعم من الشركة، وربما يتم فصله من التطبيق. فضلا عن غياب السلامة، كونه عملًا محفوفًا بالمخاطر الجسدية. ففي سعيهم لتحقيق السرعة المطلوبة للوفاء بالمواعيد النهائية الصارمة التي تحددها الخوارزميات، كثيرًا ما يخالف السائقون قوانين المرور. وفي المدن المزدحمة، ترتفع معدلات حوادث التصادم لسائقي الدراجات النارية. إضافةً إلى ذلك، يتعرض السائقون للعنف الجسدي من العملاء والسرقة. وفي بعض المناطق، يعملون في ظروف حرارة شديدة أو أمطار موسمية أو في موجات برد، دون توفير معدات الوقاية الكافية من قِبل المنصات.

يتطلب فهم هذه الديناميكية الجديدة في الرأسمالية النظر إلى ما هو أبعد من واجهة التطبيق، أي إلى الهياكل الاقتصادية الكامنة وراءها. حيث يمثل قطاع التوصيل أحد أشكال التحول من الرأسمالية الإنتاجية إلى رأسمالية المنصات الريعية. فالمنصة الرقمية لا تنتج الطعام ولا تملك وسيلة التوصيل ولا توظّف العمال بشكل مباشر، بل تؤجر في الحقيقة البنية التحتية الرقمية، لتستخلص عائدًا من العامل مقابل الوصول إلى السوق. وبامتلاكها البنية الرقمية، تفرض في الحاصل النهائي شروط الإنتاج. ويقوم هذا التلاعب بنقل تكاليف رأس المال الثابت. ففي النموذج التقليدي الإنتاجي، إذا كانت شركة ما تدير خدمة توصيل، كان عليها شراء المركبات، كرأس مال ثابت ودفع تكاليف صيانتها وتوظيف سائقين ودفع بدل الحماية الاجتماعية. أما في النموذج الريعي الجديد، فيتحمل العامل تكلفة المركبة والوقود والتأمين والإصلاحات وبيانات الهاتف الذكي وهو مجبر أن يدفع ثمن علاجه وتأمينه التقاعدي. وهذه آلية لنقل المخاطر، حيث تُنقل تكلفة رأس المال من ميزانية الشركة إلى ميزانية العامل. ونتيجة لذلك، يعمل العديد من السائقين بكفاءة مقابل أجر أقل من الحد الأدنى للأجور بعد خصم نفقاتهم. وقد أدى هذا إلى تحولٍ أساسيّ في طبيعة القوى العاملة في قطاع الخدمات، من موظفين إلى بروليتاريا خدمية رثة معزولة تُدار شؤونها عن بُعد بواسطة تطبيق.

ولا يقتصر الاستغلال في هذا القطاع على الأجور المدفوعة مقابل رسوم التوصيل فحسب، بل يشمل أيضًا البيانات. فكل حركة يقوم بها السائق، وكل مسار يسلكه، وكل قبول أو رفض لطلب، يُولّد بيانات قيّمة تستغلها المنصة لتحسين خوارزمياتها، ما يزيد من كفاءة النظام. حيث لا يقتصر دور العامل على خلق القيمة من خلال عملية التوصيل فحسب، بل يشمل توفير البيانات التي تُدرّب النظام الذي قد يحلّ محله في نهاية المطاف، مثل توصيل الطرود بواسطة الطائرات المسيّرة أو المركبات ذاتية القيادة. 

المقاربة الصينية

بسبب هذه العواقب اتجهت الصين مؤخرًا إلى تدخلات حكومية لإعادة ضبط عمل المنصات. في 27 نيسان المنصرم، أصدرت أعلى هيئتين حكوميتين في البلاد وهما اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ومجلس الدولة إطارًا مشتركًا من 12 بندًا لحماية عمّال اقتصاد المنصات الرقمية. وتشكل هذه الوثيقة أول تدخل رسمي من أعلى مستويات الحزب لحماية هؤلاء العمال، ونطاقها واسع للغاية، إذ يشمل أكثر من 200 مليون شخص، أي ما يقارب 27% من إجمالي القوى العاملة في الصين و43% من القوى العاملة الحضرية. يُرسي هذا الإطار حمايةً في عدة مجالات مترابطة. ففيما يتعلق بالأجور، يجب على المنصات ضمان حصول العاملين على الحد الأدنى للأجور المحلي على الأقل، مع تعويض إضافي عن العمل المُنجز في أيام العطل الرسمية. وقد يبدو هذا الشرط بسيطًا، ولكنه في اقتصاد العمل الحر، حيث تدفع أجور العمل بالقطعة وخصومات الإكراميات والعقوبات الخوارزمية والأرباح الفعلية بالساعة إلى ما دون الحد الأدنى القانوني، يُمثل تدخلًا هيكليًا. 

أما فيما يتعلق بساعات العمل، فتنص الخطة على إلزام الشركات بالتفاوض مع النقابات العمالية أو ممثلي العمال لتحديد الحد الأقصى لفترات تلقي الطلبات المتتالية والحد الأقصى لساعات العمل اليومية. والأهم من ذلك، أن الخطة تتجاوز مجرد تحديد هذه الحدود، فعندما يصل العامل إليها، يجب على تطبيق المنصة التوقف تلقائيًا عن إرسال طلبات جديدة وإرسال إشعار يحث على الراحة. ويتم الاستعانة بالخوارزمية نفسها التي لطالما كانت بمثابة المشرف الخفي على اقتصاد العمل الحر كآلية إنفاذ. كما تُلزم أحكام الضمان الاجتماعي منصات العمل الحر إما بتسجيل العاملين في نظام التأمين الاجتماعي الكامل عند وجود علاقة عمل، أو بتوقيع اتفاقيات مكتوبة تحدد الشروط لمن تربطهم علاقات عمل غير واضحة. وتنص أحكام الطقس القاسي على فترات راحة وأجور معززة خلال الظروف التي تعتبرها الحكومة خطرة مثل الأعاصير وموجات الحر. ولعلّ أهمّ هذه المتطلبات هي متطلبات شفافية الخوارزمية، إذ يجب على المنصات داخل الصين الآن إخضاع الشيفرة البرمجية التي تحكم عملية التوظيف وتوزيع المهام وهياكل العمولات والحدود الزمنية وأنظمة الجزاءات للتفاوض الجماعي مع النقابات أو ممثلي العمال. كما يجب عليها توفير المعلومات اللازمة لهذه المفاوضات، وإدراج آراء العمال قبل سنّ أو تعديل قوانين العمل، التي يجب نشرها علنًا لسبعة أيام على الأقل قبل سريانها. وهو شرطٌ يجعل الخوارزمية أداةً قابلةً للتفاوض، أي أن يكون البرنامج الذي يُنظّم عمل سائق التوصيل مفتوحاً للتفاوض والتعديل والطعن.

ويرتبط توقيت إصدار هذا التوجيه ارتباطًا وثيقًا بالظروف الاقتصادية العامة في الصين. فمن المتوقع أن يدخل أكثر من 12 مليون خريج جامعي سوق العمل في عام 2026، وسيجد الكثير منهم وظائفهم الأولى عبر منصات العمل الحر، التي تمثل متنفسًا لسوق العمل بسبب فائض الإنتاج الصناعي، وتسريح العمال في قطاع التكنولوجيا، ومشاكل قطاع العقارات. وتُولي الخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي تغطي الفترة من 2026 إلى 2030، اهتمامًا بالغًا بالاستهلاك، حيث تُخصص له فصلًا كاملًا لأول مرة في تاريخ التخطيط الصيني، في إشارة إلى تحوّل بكين الاستراتيجي من النمو القائم على التصدير والاستثمار إلى الطلب المحلي. ولا يُمكن لهذا التحوّل أن ينجح في ظل قوة عاملة تتقاضى أجورًا زهيدة. فالعاملون في الاقتصاد الرقمي، الذين لا يملكون دخلًا فائضًا غير قادرين على التوسع في الاستهلاك، بل يُشكلون أحيانًا عبئًا على الميزانية العامة ومصدرًا محتملًا لعدم الاستقرار الاجتماعي. لذا، فإن رفع الحد الأدنى للأجور لـ200 مليون عامل يُسهم في بناء قاعدة استهلاكية يتطلبها نموذج النمو الأوسع نطاقًا.

يقع الإطار القانوني الصيني بين نموذجين غربيين. فقد أقرّ الاتحاد الأوروبي توجيهات بشأن عمال المنصات في نهاية عام 2024، والتي تنص على افتراض قانوني للتوظيف، فإذا كانت المنصة تُوجّه وتُسيطر على نشاط العامل، فيُفترض أن هذا العامل موظف، ويقع عبء إثبات عكس ذلك على عاتق الشركة. وقد توصلت المحكمة العليا في المملكة المتحدة إلى استنتاجات مماثلة فيما يتعلق بسائقي أوبر. وفي الولايات المتحدة، حاول مشروع قانون في كاليفورنيا تطبيق افتراض مماثل للتوظيف، لكن المنصات أنفقت أكثر من 200 مليون دولار على اقتراح قانوني لإعفاء نفسها، وأيدت المحاكم هذا الإعفاء إلى حد كبير. لا يمنح النهج الصيني العاملين في المنصات الإلكترونية صفة الموظفين الرسميين تلقائيًا، بل يُنشئ طيفًا تنظيميًا يشمل عقود عمل كاملة في الحالات التي تستوفي فيها العلاقة الشروط، واتفاقيات مكتوبة بشروط محددة في الحالات التي لا تستوفيها، ومتطلبات حوكمة خوارزمية ملزمة على نطاق واسع. وسيعتمد مدى استدامة هذا النهج على مدى فعالية تطبيقه، وهو أمر يبدو محسوما بالنظر إلى تاريخ الصين التنظيمي.

المصدر: حبر | Source: حبر

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن ترفيه | More on Entertainment

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم ترفيه. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: حبر. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Entertainment. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: حبر. Tags: delivery, Charlie Chaplin, modern times.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free