الأسرى والعيد.. موعدٌ متجدّد من الألم والتضحية
عامر أبو عرفة
يأتي عيد الأضحى كلَّ عام محمّلا بمعاني الطاعة والتضحية والفداء، فتستيقظ الأرض على تكبيرات العيد، وتمتلئ البيوت بفرح الأطفال ورائحة القهوة وثياب العيد الجديدة. لكنّ هذا العيد، حين يمرُّ على بيوت الأسرى، يتحوّل إلى وجعٍ مضاعف، وإلى مساحة واسعة من الحنين الممتد بين القضبان والبيوت البعيدة.
في السجون لا يُولد صباح العيد كما يعرفه الناس؛ فلا أمّ توقظ أبناءها بفرح، ولا أبٌ يحتضن أطفاله قبل صلاة العيد، ولا عائلة تلتفُّ حول مائدة يملؤها الدفء.
هناك فقط جدرانٌ صامتة، وأبوابٌ حديدية، وأسرى يحاولون أن يخبّئوا انكسار أرواحهم خلف ابتسامةٍ صابرة.
وفي عيد الأضحى تحديدا، تتجلى صورة التضحية بأقسى معانيها؛ فالأسرى هم أولئك الذين قدّموا أعمارهم وحريتهم وأحلامهم قربانًا من أجل قضية آمنوا بها، ومضوا في طريقها وهم يعلمون أنّ ثمن الكرامة باهظ.
تركوا خلفهم أبناءً يكبرون على الغياب، وأمّهاتٍ يذبحن الشوق كلَّ يوم، وزوجاتٍ يحملن وحدهنَّ أثقال الحياة والانتظار.
كأنّ الأسير في سجنه يُعيد كلَّ عام سيرةَ الفداء الكبرى؛ فكما امتثل إبراهيم عليه السلام لأمر الله وقدّم أعظم صور الطاعة والتضحية، يمضي هؤلاء الأسرى في درب التضحية من أجل أرضهم وكرامتهم وحقّ شعبهم في الحياة والحرية.
وليس المقصود تشبيه المقامات، وإنما استحضار معنى البذل والصبر والثبات حين يصبح الإنسان مستعدًا أن يدفع من عمره وحياته لأجل مبدأٍ يؤمن به.
ورغم القيد، يحاول الأسرى أن ينتزعوا من العيد شيئًا من الحياة؛ يتبادلون التكبيرات، ويقتسمون القليل مما يملكون، ويزرعون في زوايا الزنازين روحا من الإيمان والصبر.
فالسجّان يستطيع أن يمنع الزيارة، وأن يصادر الرسائل، وأن يضيّق المكان، لكنه يعجز أن ينتزع من قلوبهم يقين الحرية.
ويبقى المشهد الأكثر قسوة حين يختلي الأسير بنفسه في لحظات الليل؛ يتذكّر أطفاله بثياب العيد، ووجه أمّه المنتظر، وصوت التكبيرات في حارته، ومائدة العائلة التي غاب عنها أعواما طويلة.
هناك فقط يدرك الإنسان كيف يتحوّل العيد في حياة الأسير إلى اختبار مؤلم بين فرحة يتمناها، وواقعٍ يعيشه خلف القضبان.
ومع ذلك، لا يفقد الأسرى إيمانهم بأنّ بعد العسر يسرا، وأنّ الأعياد الحقيقية لا تكتمل إلا بحرية الإنسان وكرامته. لذلك يبقى العيد بالنسبة لهم رسالةَ صبر وثبات، ووعدا بأنّ التضحية الصادقة لا تضيع عند الله، وأنّ فجر الحرية مهما تأخر لا بدّ أن يأتي.
The post الأسرى والعيد.. موعدٌ متجدّد من الألم والتضحية appeared first on السبيل.





