الأمطار تعري تخلف البنية التحتية في بغداد
بغداد/ تبارك عبد المجيد
تحولت شوارع بغداد، مع موجة الأمطار الأخيرة، إلى برك مائية أعاقت حركة المواطنين وأربكت الحياة اليومية، في مشهد يتكرر مع كل موسم مطري، رغم إعلان أمانة بغداد حالة “النفير العام” لمواجهة تداعيات الأمطار الغزيرة.
تكشف هذه المشاهد عن تحديات مستمرة في البنية التحتية، ولا سيما في شبكات الصرف الصحي، التي ما زالت بحاجة إلى تطوير وتوسعة لمواكبة التوسع السكاني والضغط المتزايد على الخدمات. ويؤكد مختصون أن الأزمة ليست ظرفية، بل نتيجة تراكمات فنية وإدارية وسلوكية.
يشير المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان، نبيل الصفار، إلى أن “مشاريع المجاري داخل العاصمة بغداد تقع ضمن مسؤولية أمانة بغداد، فيما تتولى الوزارة تنفيذ مشاريع المجاري في المحافظات عبر المديرية العامة للمجاري ضمن الخطة الاستثمارية”. ويضيف أن الوزارة تنفذ حالياً أكثر من 56 مشروعاً تشمل إنشاء محطات تصريف ورفع ومعالجة، إلى جانب مد خطوط ناقلة في أغلب المحافظات، بإشراف مباشر من المديرية العامة للمجاري. وبحسب بيانات التعداد السكاني، فإن نحو 44% من سكان العراق مخدومون بشبكات الصرف الصحي المرتبطة بالوحدات السكنية، مقارنة بـ6% قبل عام 2003، ما يعكس تحسناً تدريجياً في هذا القطاع، رغم استمرار الفجوة.
ويؤكد الصفار أن البلاد ما زالت بحاجة إلى المزيد من مشاريع البنى التحتية، خصوصاً في قطاع المجاري، نظراً لأثره المباشر في تحسين الواقع البيئي والصحي، مشيراً إلى سعي الوزارة لشمول جميع الأقضية والنواحي بهذه الخدمات وفق التخصيصات المالية المتاحة.
من جانبه، قال المتحدث باسم أمانة بغداد، محمد الربيعي، إن الأمانة اتخذت إجراءات استباقية لمواجهة موجة الأمطار الأخيرة، تنفيذاً لتوجيهات أمين بغداد، عبر عقد اجتماع موسع ضم الوكلاء ومدراء البلديات وأقسام المجاري.
وأوضح أن الاجتماع أسفر عن إعلان حالة “النفير العام”، مع حشد الجهود البشرية والآليات وتوزيعها وفق خطة طوارئ لسحب مياه الأمطار. وأشار إلى أن كميات الأمطار التي هطلت تجاوزت الطاقة الاستيعابية لشبكة التصريف.
وبيّن أن الطاقة التصميمية للشبكة تبلغ نحو 47 ملم في الساعة، فيما تبلغ الطاقة الأساس 28 ملم، في حين سجلت الأمطار مستويات أعلى من ذلك، ما أدى إلى غرق بعض الشوارع لمدة قاربت ساعتين.
ولفت إلى أن دائرة مجاري بغداد أدت دوراً محورياً في إدارة الأزمة، عبر تطوير البنى التحتية وافتتاح محطات جديدة وتأهيل أخرى قديمة، ما ساهم في رفع كفاءة الاستجابة.
وأضاف أن فرق الأمانة باشرت، فور انحسار الأمطار، بسحب المياه وتنظيف الشوارع، بدعم من وزارة الكهرباء التي وفرت طاقة مستمرة لتشغيل محطات الضخ بكفاءة. كما أشار إلى أن تعطيل الدوام الرسمي في المدارس والجامعات ساعد على انسيابية العمل الميداني.
وأكد الربيعي أن نسبة إنجاز أعمال التنظيف وفتح الطرق بلغت نحو 95% حتى منتصف اليوم، مبيناً أن المرحلة المقبلة ستركز على تنظيف الأزقة والمناطق الفرعية والساحات العامة، إضافة إلى المناطق الزراعية غير المخدومة بشبكات الصرف الصحي. وفي ما يتعلق بشكاوى المواطنين، أوضح اعتماد عدة قنوات لتلقي البلاغات، منها الرقم (911) وتطبيق “بغداد صوت المواطن”، فضلاً عن الأرقام الساخنة، كاشفاً عن تسجيل 2035 شكوى منذ مساء أمس، تمت معالجة نحو 90% منها، مع استمرار العمل على المتبقي.
ورغم هذه الإجراءات، يبقى تطوير قطاع الصرف الصحي أحد أبرز التحديات الخدمية في العراق، في ظل التوسع السكاني والضغط المتزايد على البنى التحتية، ما يتطلب تسريع تنفيذ المشاريع وتعزيز التمويل.
وتتجلى حدة المشكلة مع كل موجة أمطار، إذ يشكو مواطنون من شلل شبه تام في الحركة مع أولى الزخات، نتيجة غرق الشوارع وتعطل شبكات التصريف، فيما شهدت عدة محافظات، بينها بغداد، اختناقات مرورية وغرق مناطق سكنية خلال الأيام الماضية، ما دفع جهات حكومية إلى تعطيل الدوام الرسمي.
في السياق، قال المهندس الاستشاري سلوان الأغا، المختص بإدارة البلديات والمشاريع، إن جوهر المشكلة “ليس طارئاً، بل نتيجة تراكمات فنية وإدارية وسلوكية”. وأوضح أن شبكات المجاري تُصمم وفق معايير هندسية تأخذ بنظر الاعتبار خطوط المياه الثقيلة وخطوط تصريف مياه الأمطار، إضافة إلى الطاقة الاستيعابية والنمو السكاني، إلا أن التحدي يظهر عند هطول أمطار تتجاوز المعدلات التصميمية، وهو أمر يحدث حتى في دول متقدمة.
وأضاف أن محطات الرفع والمعالجة تتعرض، عند اشتداد الأمطار، لضغط يفوق قدرتها، ما يؤدي إلى بطء التصريف وامتلاء الخطوط الرئيسية، وبالتالي غرق الشوارع. وأشار إلى أن غياب الإجراءات الاستباقية، مثل تفريغ المحطات قبل موجات المطر، يزيد من حدة المشكلة.
وبيّن أن الأزمة تتفاقم في المدن التي لم تستكمل فيها شبكات المجاري، حيث تنتقل المياه من المناطق غير المخدومة إلى المخدومة، ما يضاعف الضغط على الشبكات القائمة. كما شدد على ضرورة إعادة النظر في تصميم فتحات تصريف مياه الأمطار من حيث الحجم والتوزيع، إلى جانب أهمية الصيانة المستمرة، إذ تؤدي النفايات وتراكم الأتربة إلى انسداد الشبكات وتقليل كفاءتها.
وأشار إلى أن ضعف الوعي المجتمعي في ما يتعلق برمي النفايات يسهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة، مؤكداً أن الحل يتطلب تكاملاً بين الجهد الحكومي والتعاون المجتمعي. وخلص الأغا إلى أن الحد من تكرار الفيضانات يتطلب استكمال شبكات المجاري، واعتماد إجراءات استباقية لصيانة الشبكات وتشغيل المحطات قبل موسم الأمطار، إضافة إلى تحديث معايير التصميم، خصوصاً ما يتعلق بفتحات التصريف، لتقليل آثار الفيضانات ومنع تحولها إلى أزمات طويلة الأمد.
The post الأمطار تعري تخلف البنية التحتية في بغداد appeared first on جريدة المدى.





