... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
223302 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7773 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

العصبية المنتنة

السبيل
2026/04/20 - 10:07 502 مشاهدة

د. عبد الله المشوخي

في بواكير الطفولة، وقع خلافٌ بين قريبٍ لي وأحد أصدقائه في ساحة المدرسة، فتقدّمتُ لأصلح ما استطعت.
وما هي إلا لحظات حتى استدعانا مدير المدرسة، يسأل عن البادئ بالاعتداء، ويطلب شهادةً تُقيم الميزان.
فقلت ما رأيتُ حقًّا، غير مُحابٍ لقريبٍ ولا مائلٍ مع هوى، فكان أن نال جزاءه.
ولمّا بلغ الأمرُ والده، استنكر صنيعي، واشتدّ عتابه: كيف تشهد على ابن عمّك؟! فأجبته بصفاء الفطرة: إنما شهدتُ بما وقع.
فقال محتجًّا بمأثورٍ دارج: “أنا وأخي على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب”!.

يومها لم أُحسن تأويل هذا القول، غير أن قلبي أدرك أن للحقّ سلطانًا لا يُنازع، وأن العدل أولى أن يُتّبع.
ثم دارت بي الأيام، فإذا تلك العصبيّة تتبدّى في صورٍ شتّى؛ يُنصر فيها القريبُ لقرابته، لا لحقّه، ويُخذل الغريبُ لبُعده، لا لباطله.
وكأن أصداء الجاهليّة لم تزل تتردّد في النفوس.
وقد لخّص ذلك دريد بن الصمّة بقوله:

أنا من غزيّة إن غوتْ غويتُ
وإن ترشدْ غزيّةُ أرشدِ

فجاء الإسلام ليُقوّم هذا الاعوجاج، ويُحرّر الإنسان من أسر الهوى، ويُقيمه على ميزانٍ قويم: ميزان العدل.
قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل).
وجعل رابطة الإيمان فوق كل رابطة، فلا يُنصر الظالم لقرابة، ولا يُترك المظلوم لغربة.

ولمّا قال النبي ﷺ: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، استشكل الصحابة ذلك، فبيّن لهم أن نصرة الظالم تكون بكفّه عن ظلمه، فهي نصرةٌ للحق في الحالين، لا للهوى في أيّ حال.

وقد شهد التاريخ في العهد النبوي كيف سعى بعض يهود إلى إحياء ما اندثر من عداواتٍ بين الأوس والخزرج، يذكّرونهم بأيام الجاهلية، وكذلك بين المهاجرين والأنصار، ويؤجّجون نار العصبيّة بعد أن أطفأها الإسلام، فما كادت الفتنة تستعر حتى وأدها النبي ﷺ بكلمةٍ جامعة: “دعوها فإنها منتنة”.
ثم إذا انتقلنا إلى زماننا، وجدنا الأساليب قد تغيّرت، والغاية واحدة؛ إذ تُستثمر أدوات الإعلام والتقنية لإثارة الانقسامات، وتُستخدم وسائل خفيّة لتأجيج العصبيّات بين الشعوب. ويُشار في هذا السياق إلى ما تقوم به جهاتٌ استخبارية -كـما يُنسب إلى وحدة 8200 التابعة للاحتلال الإسرائيلي—من قدراتٍ في الفضاء الرقمي، يُتم توظيفها في بث الفرقة وإذكاء النزاعات.
غير أنّ الإنصاف يقتضي أن يُقال: إن نار العصبيّة لا تشتعل إلا في بيئةٍ قابلة، وأن العدوّ لا ينجح إلا حين يجد في الداخل ثغرة.
فكم من كلمةٍ أشعلت فتنة، وكم من خطابٍ غذّى فرقة، وكان منشؤه من داخل الصف لا من خارجه.
ومن أشدّ ما يُؤلم أن تمتدّ هذه العصبيّة إلى المجتمعات الواحدة، فتُثار بين الأقطار العربية بين مصري واماراتي على سبيل المثال، أو بين أبناء الوطن الواحد كإثارة الفوارق بين الأردني والفلسطيني، وهي دعاوى لا تزيد الأمة إلا ضعفًا، ولا تخدم إلا من يتربّص بها.
فليحذر المرء من هذه العصبيّة، وليزن مواقفه بميزان الحقّ، فإن الحقّ لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال يُعرفون بالحق.

ومن نصر الباطل فقد أعان على الظلم، ومن أعان على الظلم فقد خالف هدي السماء.
فدعوا العصبيّة… فإنها منتنة.

The post العصبية المنتنة appeared first on السبيل.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤