مع اقتراب الموعد الذي حددته حكومة علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة، بدأت ردود الفعل تتصاعد بين من يصر على رفض تسليم السلاح، ومن بدأت مواقفه تتراجع خطوات إلى الوراء في إسناد الحكومة في حصر السلاح. وهناك من يبحث عن محاولات تهدئة وعدم الإصرار على موعد نهاية شهر سبتمبر/أيلول القادم، والذي يصر عليه رئيس الوزراء علي الزيدي، حتى وإن كان ثمن هذا الموقف فقدانه حياته!
مشهد درامي في إعلان تلفزيوني نقلته قناة "العراقية"، قناة الدولة الرسمية، يشير إلى ضرورة تسليم السلاح وقوة سلاح الدولة، كان بمثابة الشرارة التي أشعلت أزمة التصريحات وردود الفعل بين الرافضين لتسليم السلاح والمؤيدين للحكومة، لتتسارع بعده وتيرة الأحداث والتصريحات. وتتوارد بعد أيام الأخبار العاجلة التي تتحدث عن مخطط لاغتيال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ومن يتناقل خبر اعتقال عباس اليعقوبي مسؤول استخبارات حزام بغداد في هيئة "الحشد الشعبي"!
حتى الآن، تجري الرياح بعكس ما تشتهي سفينة رئيس الحكومة علي الزيدي. فالإطار التنسيقي الحاضن السياسي لهذه الحكومة يجمع أطرافاً متناقضة المواقف بشأن مشروع الحكومة بحصر السلاح. إذ أعلنت أطراف عن تخليها عن السلاح مقابل الحفاظ على مكاسبها السياسية وعلى أمل استبدال السلاح بالتمثيل الوزاري في هذه الحكومة.
وهناك أطراف أخرى، تعلن مواقفها الصريحة بعدم التخلي عن سلاحها، لا سيما بعد أن أصبحت خارج معادلة تقاسم الوزارات، كما أعلن ذلك أبو آلاء الولائي الأمين العام لـ"كتائب سيد الشهداء" والذي يعد أحد قيادات "الإطار التنسيقي"، إذ صرح بأن: "من يريد أن يسلم سلاحه، نحن مستعدون لشرائه". وبين هذين الموقفين نجد أطرافاً داخل "الإطار التنسيقي" تقف داعمة لخطوات حصر السلاح لكن صوتها لا يزال خافتاً.
من يريد أن يسلم سلاحه، نحن مستعدون لشرائه"... الأمين العام لـ"كتائب سيد الشهداء" يعلن رفض التخلي عن سلاحه، فيما ينقسم "الإطار التنسيقي" الحاضن لحكومة الزيدي بين أطراف تقايض السلاح بالمكاسب الوزارية وأخرى ترفض بعد خروجها من تقاسم الحقائب
أما خارج قوى "الإطار التنسيقي"، فالمشكلة أكثر تعقيداً، إذ لا تزال "كتائب حزب الله العراق"، و"حركة النجباء" تؤكدان على مواقفهما الرافضة لتسليم السلاح للدولة، ففي بيان المسؤول الأمني لـ"كتائب حزب الله" في صفحته على منصة "X"، وصف تصريحات رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن حصر السلاح بيد الدولة بـ"العنتريات الفارغة"، وأنهم صبروا 100 يوم عليها "على أمل أن يفهم المعادلات الحاكمة للواقع الداخلي والإقليمي والدولي، وأن يستمع لنصائح السياسيين الشيبة"، وتضمن البيان الإشارة إلى احتمالية البدء بالعمل بمبدأ: "العين بالعين والبادي أظلم".

وقبل بيان "كتائب حزب الله"، أعلن ذلك الشيخ أكرم الكعبي الأمين العام لحركة "النجباء" في صفحته على منصة "X" أن "سلاح المقاومة" لا تنحصر مهمته بمواجهة الوجود العسكري الأميركي في العراق، وإنما التصدي للمشروع "الأميركي الخبيث" الذي محوره الأساسي "سرقة ونهب خيرات العراق تحت غطاء ما يسمى بالاستثمارات، والتصدي لهذه يعد إحدى أهم الواجبات التي تكفلتها المقاومة العراقية".
هادي العامري الأمين العام لـ"منظمة بدر"، دخل على الخط في مسار التهدئة. إذ دعا في بيانه "الأطراف كافة إلى التحلي بلغة الاعتدال والتهدئة، وتجنب الاحتقان في المواقف"... محذراً رئيس الوزراء و"رجال المقاومة" من "عقوبات الاجتهادات المتسرعة وغير المدروسة أو المستفزة"، وضرورة التخلي عن "اللغة المتشنجة غير المبررة في بعض البيانات والتصريحات والفعاليات الإعلامية".
سلاح بوظيفتين
مشكلة السلاح الموازي للدولة في العراق، لم تعد تتعلق بأزمة النظام السياسي العاجز عن احتكار العنف المنظم بيد سلطاته الرسمية. ومن ثم، يكون أحد ملامح هشاشة الدولة، وربما تكون هي وظيفته الأساسية التي كان مخططا لها من قبل الجهات الخارجية والداخلية التي أوجدت هذا السلاح وحددت مهمته الأولى بأن يكون سلاحاً موازياً لسلاح الدولة، تحت ذريعة حماية تجربتها بالحكم.
ولكن، كان هناك وظيفة ثانية للسلاح خارج إطار الدولة، ترتبط بالإدراك الاستراتيجي لصانع القرار في إيران، وتقع ضمن مرتكزات الأمن القومي الإيراني. وهي أن تكون ضمن حلقات دوائر النار التي تطوق بها خصومها في المنطقة وفي حال تحول الصراع والتنافس إلى الحرب تكون إحدى أهم أدواتها. وذلك ما حدث فعلا بعد حرب الـ12 يوما، والحرب السائلة الحالية بين إيران وأميركا وإسرائيل.
وبعد أن خسرت إيران نفوذها وسطوتها في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وأصاب الوهن والضعف ذراعها في لبنان، لم يتبق لها سوى الحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق. وإيران حتى الآن، تدير هاتين الساحتين وفق مبدأ فتح جبهات الإسناد والدخول ضمن دوائر الاشتباك في التوقيتات التي تختارها إيران.
للسلاح خارج دولة العراق وظيفة ترتبط بالأمن القومي الإيراني، أن يكون ضمن دوائر النار التي تطوق بها طهران خصومها حين يتحول التنافس إلى حرب بعد خسارتها سوريا وضعف ذراعها في لبنان
لذلك، منذ بداية الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل، بدأت الوظيفة الخارجية لجماعات السلاح في العراق تحرج الدولة، وتصادر قرار الحكومة بإعلان الحرب والسلم. أما الحكومة السابقة وحتى الحالية، فقد باتت وظيفتها باستقبال مذكرات الاحتجاج التي ترسلها دول الخليج المجاورة التي تؤكد وجود هجمات بالمسيرات والصواريخ تنطلق تجاهها وتستهدف منشآتها الحيوية ومصادر الطاقة، ومصدرها من الأراضي العراقية. وكالعادة يكون موقف الحكومة تشكيل لجان تحقيق في الموضوع التي تنتهي غالباً إلى لا شيء! ولا يتم تشخيص الجهات والعناوين المسلحة التي قامت بتلك العمليات.
ومن ثم، نجحت الجماعات المسلحة في العراق التي تقف خلف الهجوم على دول المنطقة، في تحقيق غايتها في إرسال رسالة واضحة وصريحة إلى الحكومة بأنها قادرة على إحراجها أمام الرأي العام وأمام الدول التي ترتبط معها بمصالح استراتيجية، من خلال اختيار التوقيتات التي تقوم بها بشن هجمات مسلحة على دول الجوار العراقي.

والرد على هذه الهجمات من خلال العمليات العسكرية السعودية والأميركية على مقرات "الحشد الشعبي"، ورسائل التهديد التي وصلت العراق من سوريا والأردن ودول الخليج بأن ترد بالقوة على أي هجمات تنطلق من الجماعات المسلحة في العراق تجاه أراضيها، قد تكون ورقة ضغط تستثمرها حكومة علي الزيدي في مواجهة جماعات السلاح التي تضعف موقف الدولة أمام دول الجوار، ومصداقيتها في سيطرتها على إدارة الملف الأمني وقراراها السيادي في إعلان الحرب والسلم.
سبع دول عربية، السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن وسوريا، كانت واضحة في مواقفها الرافضة للهجمات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، ووصفتها بالعدوان. الدول العربية السبع، كانت الحكومات العراقية حريصة جداً على توثيق علاقات الشراكة معها اقتصاديا واستراتيجيا، ولكن في هذه الحرب، كان عجز الحكومة واضحا في عدم قدرتها على الحفاظ على كل المكتسبات التي تحققت في الفترات السابقة، وأثبتت أن قرارات الشراكة الاقتصادية التي توثقها الدبلوماسية، ستبقى مهددة من قبل قوى السلاح التي تنافس الحكومة على قرار الحرب والسلم.
فوضوية الخطاب السياسي
المشكلة الرئيسة أن عراق الدولة يتعامل مع هذه الدول وفق منطلق الشراكة والتعاون المشترك الذي يحقق المصالح المتبادلة بينه وبين دول جواره العربي والإقليمي. ويريد من هذه الدول أن تعامل الحكومة العراقية باعتبارها الممثل الرسمي للدولة. ولكن، عندما تعلن جماعات السلاح عن التهديد والوعيد لدول الجوار، فهذا يعني أن الدولة في العراق هي دولة برأسين وليس برأس واحد.
وهناك سلاح مواز يهدد تلك الدولة، ولا تبرأ من استهدافها بالطائرات المسيرة التي تكون أهدافها أهدافا استراتيجية ومنشآت حيوية في دول الجوار.
يصر رئيس الوزراء علي الزيدي التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة، وأنها الوحيدة من لها حق قرار الحرب والسلم مهما كانت تكلفة المواجهة المسلحة مع الجماعات الموازية للدولة
وبين فترة وأخرى يتبادل المسؤولون الرسميون في العراق الزيارات مع دول الجوار، وتوقيع مذكرات التفاهم وتوثيق التعاون الاقتصادي والأمني مع تلك البلدان، ويكون في مقابل ذلك خطابات التحريض والتهديد باستخدام القوة ضد تلك الدولة، سواء كان من عناوين تحمل اسم قيادات سياسية أو عناوين جماعات مسلحة!
هذه المشكلة ساهمت فيها الأطراف السياسية والحكومية عندما تستخدم وتسوق المراوغة في التوصيف، والتي تتحدث عن ضرورة التمييز بين "الحشد الشعبي" التابع إلى القائد العام للقوات المسلحة، وبين "فصائل مسلحة" تعمل ضمن "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، لم تعد مقبولة ولا مقنعة، وإنما تعبر عن فوضوية الخطاب السياسي في العراق.
حالة نكران وعدم اعتراف بالواقع، يعيشها الفاعلون السياسيون في العراق، إذ تعلن صراحة فصائل مسلحة بأن سلاحها حان وقته للدخول في المعركة، وانتمائها لعنوان يتجاوز الدولة وحدودها ولا يعترف بمفهوم السيادة.
في المقابل تعيد وتكرر الحكومة التأكيد على "حصر السلاح بيد الدولة"، وأنها الوحيدة من لها حق قرار الحرب والسلم.

تتوهم كثيرا جماعات السلاح، أو هي تسوق هذا الوهم عن قصد، عندما تطرح فكرة أن وجود سلاحها ضروري لمواجهة الخطر الخارجي الذي قد يكون قادما من تغيير النظام في سوريا، ويتم ربط ذلك بالعودة إلى ذاكرة سقوط ثلاث محافظات عراقية في 2014، أو حتى الدفاع عن العراق ما دامت الحكومة غير قادرة على ذلك أمام أي هجوم يتعرض له العراق.
إذ تخبرنا التجارب أن أقوى الترسانات العسكرية لا يمكنها أن تدافع عن نظام حكم، إذا كان يعاني من أزمات في مشروعية المنظومة الحاكمة وخلل في عدالة توزيع ثرواته بين أبناء شعبه، وعدم فاعلية مؤسساته السياسية، هذا على المستوى الداخلي. أما على المستوى الخارجي، فإيران التي كانت تملك ترسانة هائلة من الصواريخ الباليستية، وإسرائيل التي تتباهى بقبتها الحديدية، وأميركا التي تملك أقوى أسطول عسكري في البر والجو والبحر، لم يحقق أي منهم أهدافه بالحرب. فالسلاح لا يحقق أهدافه دائما، إذا عجزت السياسة عن احتواء الأزمات.
إذن، يفترض بالسياسة أن تحدد بوصلة الأصدقاء والأعداء على أساس المصلحة، إلا أن هذه القاعدة لا يعترف بها سياسيو العراق، إذ إن هناك هوس بالماضي أكثر من التفكير بعقلانية للتعاطي مع الحاضر، وغالبا ما تحدد المواقف على أساس طائفي أو قومي أو حتى أيديولوجي، وربما يكون التحكم في بوصلة المواقف الخارجية متأثرا بدرجة كبيرة برياح مواقف خارجية وليست داخلية.
ما بعد 30 سبتمبر
التصعيد في خطاب حصر السلاح بيد الدولة، لن يكون من دون تكلفة أو ضريبة عالية، لا سيما إذا وصلت سياسة الاحتواء إلى طريق مسدود. ومن ثم، سيكون الخيار الوحيد أمام حكومة الزيدي، والذي يبدي إصرارا وتمسكا قويا بموقفه الرافض لوجود سلاح خارج سيطرة الدولة، هو المواجهة الحاسمة واستعادة هيبة الدولة، وقدرتها على فرض الأمن. وإذا تخاذل أو تراجع عن ذلك، بعد نهاية 30 سبتمبر، سيكون ذلك بمثابة القشة التي تقصم خطط حكومة الزيدي في استعادة ثقة المواطن، وصورتها أمام الدول الكبرى ومحيطها الإقليمي التي ترتبط معهم بمصالح استراتيجية.
لا يمكن الحديث عن استنساخ تجارب من دول أخرى لكسب معركة استعادة الدولة، لأن هذه المعركة ذات طابع مركب، لأن معطياتها أمنية وعسكرية، وأبعادها سياسية. ولذلك فإن حلولها لا تنحصر بنزع سلاح الجماعات المسلحة والجماعات الخارجة عن القانون واعتماد سياسات التسريح وإعادة الدمج.

ورغم أنها قد تمثّل البداية الصحيحة، لكنها لن تكون ممكنة التطبيق إلا باستعادة قوة الدولة وهيبتها كي تلوح بخيار المواجهة المسلحة مع جميع الكيانات التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة.
ويبدو أن تكلفة المواجهة المسلحة مع الجماعات الموازية للدولة ستكون عالية، لكن ما يمكن أن يخفض من تكاليفها وخسائرها هو التحالف بين قائد سياسي يؤمن بمشروع الدّولة و قائد عسكري يؤمن بضرورة استعادة وظيفة المؤسسة العسكريّة في حفظ أمن الدولة ومؤسساتها بعيدا عن الطموح السياسي ويرفض خضوعها لقوى اللادولة، وقد يكون ثمن استعادة الدولة وإنهاء حالة السيولة بين الدولة واللادولة في العراق، يستحق أن تكون تكلفته عالية.






