لماذا عندما نحزن أو نتوتر أو حتى عندما نشعر بفرح كبير، نبحث بشكل تلقائي عن عناق؟ ولماذا نشعر أحياناً أن عناقاً واحداً يمكن أن يقول ما نعجز عن قوله بالكلمات؟
العناق بالنسبة إلى كثير من الناس ليس مجرد حركة عابرة، بل طريقة للتعبير عن مشاعر يصعب أحياناً شرحها. في لحظات الحزن، قد نبحث عن عناق يمنحنا شعوراً بالأمان، وفي لحظات الفرح قد نرغب في مشاركة ذلك الشعور مع شخص قريب منا.
لكن ماذا يحدث داخل الجسم عندما نعانق شخصاً نشعر معه بالأمان؟
تشير أبحاث في علم النفس وعلم الأعصاب إلى أن التواصل الجسدي يمكن أن يؤثر في استجابة الجسم للتوتر. ومن بين الباحثين الذين اهتموا بهذا الموضوع عالمة النفس الأمريكية تيفاني فيلد، التي درست تأثير اللمس والتواصل الجسدي على الحالة النفسية والجسدية، وربطت اللمس بمجموعة من الاستجابات الفسيولوجية المرتبطة بالراحة والتوتر.
كما أظهرت دراسة أجراها باحثون في جامعة كارنيغي ميلون أن العناق قد يكون مرتبطاً بطريقة تعامل الجسم مع الضغوط اليومية. ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين حصلوا على عناق بشكل متكرر كانوا أقل تأثراً ببعض الآثار السلبية للتوتر.
وفي دراسة أخرى، وجد الباحثون أن العناق بعد التعرض لموقف ضاغط ارتبط بانخفاض مستويات هرمون الكورتيزول، وهو أحد الهرمونات التي ترتفع استجابتها في حالات الضغط النفسي.
أما في العلاقات العاطفية، فتربط الباحثة سو جونسون، المتخصصة في العلاقات والارتباط العاطفي، الحاجة إلى القرب الجسدي بالحاجة الإنسانية إلى الشعور بالأمان وبأن هناك شخصاً يمكن الاعتماد عليه. لذلك، فإن العناق بين الأشخاص الذين تجمعهم علاقة آمنة قد يكون إحدى طرق التعبير عن هذا الشعور.
وتشير مراجعة علمية واسعة نُشرت في مجلة Nature Human Behaviour، إلى أن اللمس الجسدي يمكن أن يرتبط بفوائد نفسية وجسدية، من بينها المساعدة في تخفيف القلق وبعض أعراض الاكتئاب والألم، إضافة إلى التأثير في مؤشرات مرتبطة بالتوتر.
ولا يقتصر معنى العناق على العلاقات العاطفية. فعناق الأم لطفلها، أو عناق الأب لابنه، أو عناق صديق لصديقه في لحظة صعبة، يمكن أن يحمل رسالة تتجاوز الكلمات. وفي كثير من الأحيان، يحتاج الإنسان في لحظات ضعفه إلى الشعور بأن هناك شخصاً قريباً منه، أكثر من حاجته إلى سماع النصائح.
كما يمكن للعناق أن يخفف الإحساس بالوحدة، خصوصاً عندما يأتي من شخص يشعر معه الإنسان بالثقة والأمان. وهذا لا يعني أن العناق يعالج الوحدة أو المشكلات النفسية، لكنه قد يكون جزءاً من شبكة الدعم الاجتماعي التي يحتاج إليها الإنسان.
لكن العناق ليس علاجاً سحرياً، كما أن تأثيره لا يكون نفسه لدى الجميع. فالعلاقة بين الشخصين وشعور كل طرف بالأمان والقبول أمران أساسيان. العناق الذي يأتي من شخص نثق به قد يمنحنا الراحة، بينما العناق غير المرغوب فيه قد يكون مزعجاً ومصدراً للتوتر.
وربما لهذا السبب نبحث عن العناق في أكثر لحظاتنا حساسية. فعندما نبكي، قد نعانق من نحب. وعندما نخاف، نبحث عن القرب. وعندما نفرح، نفتح أذرعنا لمن نريد أن نشاركه فرحتنا.
في النهاية، العناق طريقة بسيطة للتواصل، لكنه يحمل رسالة واضحة: أنا هنا، وأنت لست وحدك.



