اقتصاد الحرب ومفاوضات الظل
تشير التحركات والتصريحات المتبادلة مؤخراً بين الجانبين الأمريكي والإيراني إلى أن الصراع قد دخل مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن بداياته. فالمشهد لم يعد محكوماً فقط بمنطق القوة العسكرية، ولا حتى بحدود الردع التقليدي، بل بات أقرب إلى معادلة مركبة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والدبلوماسية مع المصالح الاستراتيجية، والحرب مع حسابات الطاقة.
هذه التحولات لا تعكس مجرد تغير في الأدوات، بل تشير إلى تطور في فلسفة إدارة الصراع نفسه، حيث لم يعد السؤال الأكثر أهمية متعلقاً بمسارات التفاوض، بقدر ما أصبح مرتبطاً بتحليل الدوافع التي تحكم سلوك كل طرف تجاه ما يُعرض عليه في سياق هذا التفاعل السياسي الذي يجرى تحت وطأة النيران المشتعلة، والتصعيد العسكري المتبادل، وحضور طرف ثالث يرفض جملة وتفصيلاً فكرة الحلول السياسية لأي من صراعات الشرق الأوسط، هذا الثالث، إسرائيل التي سرَّب إعلامها بنود «الوثيقة الأمريكية»، ذات الخمسة عشر بنداً والتي قيل إنها محور التفاوض، وهو ما نفته أمريكا، فيما أكدت طهران أنه لا تفاوض من الأساس.
التوقيت في عالم السياسة الدولية ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل أحد أهم مفاتيح قراءة السلوك السياسي وفهم دوافعه. فالحديث الأمريكي المتكرر عن وجود قنوات اتصال أو مفاوضات غير مباشرة مع إيران لا يمكن فصله عن جملة من الضغوط والتحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية. ورغم النفي الإيراني المتكرر، فإن المؤشرات العملية تؤكد أن هناك تفاعلاً سياسياً يتم بين الطرفين، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء وقنوات اتصال متعددة.
وقد برزت أهمية الأدوار الإقليمية التي تتحرك في الخلفية لإدارة قنوات الاتصال واحتواء التصعيد والتي تقودها مصر وباكستان وتركيا. فالتنسيق الدبلوماسي النشط يعكس رغبة حقيقية في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود السيطرة. هذه القنوات، حتى إن لم تتحول بعد إلى مفاوضات رسمية معلنة، فإنها تمثل أرضية تمهيدية ضرورية لأي مسار تفاوضي محتمل، خاصة في ظل تداول معلومات حول وثائق ومقترحات تتناول ملفات حساسة، على رأسها البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الباليستي، باعتبارهما محورين أساسيين في أي تسوية مستقبلية.
على المستوى العسكري، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما قد يظهر في البيانات الرسمية. فالمعركة، رغم تحقيقها نتائج تكتيكية لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تصل إلى نقطة الحسم الاستراتيجي التي تسمح بإعلان انتصار واضح أو فرض واقع سياسي جديد. هذا الغياب للحسم يمثل أحد أهم أسباب التحول في التفكير السياسي، حيث يدفع الأطراف إلى مراجعة أهدافها وإعادة ترتيب أولوياتها وفقاً لما تفرضه معطيات الميدان. ومن اللافت في هذا الإطار التحول التدريجي في الخطاب السياسي من الحديث عن أهداف واسعة النطاق إلى التركيز على قضايا محددة مثل تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو تحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها.
هذا التغير في الأولويات لا يعكس فقط مراجعة عسكرية، فحين تتحول الأولوية من تحقيق انتصار عسكري شامل إلى تأمين ممرات الملاحة، فإن ذلك يعني أن الحسابات الاقتصادية بدأت تفرض نفسها بقوة على معادلة القرار السياسي. وهنا يظهر بوضوح الدور المركزي الذي تلعبه الطاقة في تشكيل السياسات الدولية.
وأظهرت تسريبات أخرى وجود تصور اقتصادي متكامل يتم إعداده كجزء من أي تسوية مستقبلية مع إيران، يتضمن إدخال شركات أمريكية كبرى إلى السوق الإيرانية، خاصة في قطاعي النفط والغاز. مثل هذا التوجه، إن تحقق، لن يكون مجرد صفقة اقتصادية عادية، بل إعادة صياغة للعلاقة بين البلدين على أسس جديدة. فوجود شركات أمريكية داخل قطاع الطاقة الإيراني يعني عملياً وجود نفوذ اقتصادي مباشر داخل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، وهو ما يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التأثير في معادلات الطاقة العالمية.
في المقابل، تشير بعض المعطيات إلى أن إيران قد تحصل، في إطار مثل هذه التفاهمات، على حزمة من الحوافز الاقتصادية، تشمل رفع العقوبات المفروضة عليها وإلغاء بعض الآليات العقابية (آلية سناب باك) التي ظلت تمثل إحدى أهم أدوات الضغط عليها خلال السنوات الماضية. كما أن السماح لإيران بتطوير برنامج نووي مدني تحت إشراف دولي قد يمثل عنصر جذب إضافي يدفعها إلى الانخراط في مسار تفاوضي أكثر مرونة، خاصة إذا تزامن ذلك مع فتح آفاق اقتصادية جديدة تعيد دمجها في النظام الاقتصادي العالمي.
وإذا كان العامل العسكري قد فشل حتى الآن في تحقيق الحسم، فإن العامل الاقتصادي يبدو أكثر قدرة على دفع الأطراف نحو التفاوض، فالضغوط الاقتصادية العالمية، خاصة في أسواق الطاقة، تمثل عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل الحسابات السياسية. ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات اضطراب الإمدادات والمخاوف من اتساع رقعة التوتر كلها عوامل تدفع المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل خفض التصعيد. وفي الوقت ذاته، تمثل هذه الضغوط حافزاً للطرفين للبحث عن مخرج تفاوضي يحقق مصالحهما الأساسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نتائجها غير محسوبة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يقف عند نقطة مفصلية قد تحدد مساره لسنوات طويلة قادمة. استمرار الحرب دون حسم واضح يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي، في حين أن الانتقال إلى مسار تفاوضي جاد يتطلب تنازلات متبادلة قد تكون مكلفة سياسياً للطرفين. وهو ما يعني أن أي تسوية مقبلة لن تكون مجرد اتفاق تقني حول الملف النووي، بل إعادة صياغة شاملة لمعادلة القوة والنفوذ في الإقليم.



