أكاديمية المملكة تستحضر أربعينية زيارة البابا للمغرب جسرا لـ"حسن الضيافة"
تستعيد أكاديمية المملكة المغربية زيارة البابا جان بول الثاني للمملكة المغربية، في ذكراها الأربعينية، جسرا للمستقبل، يدعو إلى الحوار بين الأديان والثقافات، وينتصر للعيش المشترك، رغم راهن الاستقطاب والصدام.
بعنوان “من التسامح إلى حسن الضيافة”، نظمت أكاديمية المملكة المغربية مع سفارة بولندا بالمغرب، الأربعاء، وقفة علمية لا تقتصر على البعدين التاريخي والرمزي، بل تمتد لجمع رؤى أكاديميين متخصصين في التاريخ والأديان والفلسفة والسياسة لـ”مناقشة سبل الاستفادة من هذا الإرث الفكري والإنساني، في عالم يواجه تحديات متزايدة، تجعل الحوار أكثر صعوبة وتعقيدا”.
وقال عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، إن هذا اليوم “ليس مجرد استحضار احتفائي لذكرى أربعين سنة منذ زيارة البابا جان بول الثاني للمغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني، بل هو محطة بارزة للعلاقات المغربية البولونية، بدلالات تاريخية وإنسانية، تتجاوز الحدث في حد ذاته، وتتناول سؤال العيش المشترك، في عالم يشهد تصاعدا في التوترات وتعقدا في التحولات”.

وواصل: “نستحضر ذكرى أربعين سنة، منذ الزيارة التاريخية للبابا البولندي يوحنا بولس الثاني إلى المغرب، ونستحضر ما جسدته من قيم الحوار والاحترام المتبادل والانفتاح بين الأمم والثقافات، فقد كانت سابقة في تاريخ العلاقات بين الأديان والثقافات؛ وإرادة مشتركة في بناء أفق إنساني يقوم على السلام والحوار والتفاهم المتبادل”.
وتأتي هذه الوقفة العلمية والعالم “يشهد اليوم تحولات عميقة تعيد رسم خرائط الانتماء والهوية (…) في مناخ يكثر فيه الاستقطاب، ونبرات التطرف؛ فيصير الحوار لا مجرد ترف فكري أو شعار إنساني بل ضرورة حضارية لحماية السلم الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة بين الثقافات، وترسيخ مكانة الإنسان، باعتباره قيمة في ذاته”.
ثم استرسل لحجمري شارحا: “لا نلتقي لاسترجاع الأحداث والرموز فقط، بل لنجعل من المعرفة مدخلا أعمق للفهم، ورأسمالا حيا قابلا للتفعيل، وبلورة تصورات أكثر التزاما ووعيا تجاه المستقبل (…) وتحويل الذاكرة إلى جسر، بوعي مسؤول، يجعلها رافعا للمستقبل، لا مجرد ارتداد للماضي، بحوار بالحجة والدليل، متحرر من الانفعال والاختزال والتبسيط”.

جان أوستروفسكي، رئيس الأكاديمية البولونية للفنون والعلوم، تطرق من جهته لتاريخ علاقة بولندا بالإسلام، وبالمغرب، من خلال علاقتها بمحيطها في البلقان المسلمة، في العهد العثماني وتمددات أثره، والاستيراد من إيران وتركيا، فضلا عن الزيارة في القرن الثامن عشر المخصصة للمغرب من رحالة بولندي ترك تأريخها منذ القرن الثامن عشر في كتاب “رحلة إلى إمبراطورية المغرب” الذي كان “من أهم المصادر المتاحة للأوروبيين حول المغرب”.
ومن بين ما تطرقت له الكلمة، أثر الاحتلال الأجنبي الألماني على الانفتاح العلمي لأكاديمية بولندا، وكذلك آثار الفترة الشيوعية “قبل سقوط الاحتلال وعودتها”.
غريغور ريس، كاردينال كراكوف ببولندا، اهتمت كلمته برسالة البابا جون بول الثاني إلى شباب المغرب خلال زيارته إلى الدار البيضاء، قائلا: “كان الحدث سابقة، أي حديث بابا لجماعة كبيرة من المسلمين (…) وقد كتب رسالته إلى الشباب بنفسه، وصار خطابه في محطات شهادته الشخصية، على ما يؤمن به، وما يحتاجه العالم من قيم أخلاقية وعبادة لله (…) وفي سيرته يشهد على تجربته الشخصية مع هذا اللقاء المغربي (…) وقناعاته بحرية الرأي والضمير، وفضاء التعايش الذي غذى هذه الرؤية، وحق الإنسان في الإيمان، وأولوية الإنسان، الذي لا يمكن التضحية به، وضرورة احترامه لكونه إنسانا”.

وتابع الكاردينال: “لقد تصور البابا جان بول أن مفهوم التسامح سلبي، وفضل مفهوم الحرية التي يعكس اختيارا كاملا شخصيا مليئا بالحب. ويتحدث أكثر عن الحب والرحمة والتعاون بين المسيحيين والمسلمين”، وهي “رؤية مشترك للبابا والملك الحسن الثاني”.
وموضع الكاردينال تصور البابا الذي قاد إلى الزيارة برؤيته “أهمية الحوار بين المسيحيين والمسلمين في عالم يسير نحو العلمانية والإلحاد (…) حتى لا يكون عالم لا يكون فيه الناس يتنفسون، بمعنى يصلون”، دون أن يعني هذا أن يربط علاج كل شيء بالله؛ بل “أكد على علو الله على كل شيء وعدم إمكان استخدامه أو إساءة استخدامه في كل شيء (…) فاستعمال الله لتبرير السياسة والهدف العسكري هرطقة (…) وما ينبغي الإيمان به هو أن لله سبله، التي ليست دائما سبلنا”، ثم ختم بالقول إن تنمية “مجتمع المسيحيين والمسلمين تأتي بالعمل المشترك المتناغم لتطهير النفس واكتشاف غنى الآخرين”.
مارسين بوساكي، كاتب دولة في الشؤون الخارجية البولندية، ذكر من جهته أنه “في عالم يعرف التطرف والحروب التي لا طائل منها ولا يمكن حلها”، تكون “قوى مثل بولندا والمغرب مهمة اليوم، وهما قوتان صاعدتان في إفريقيا وأوروبا، وفي مكان يخول لهما لا تقديم المثال فقط، بل ضرورة بناء جسور بين قارتينا”.

ثم أردف قائلا: “إن الاجتماع التاريخي بين البابا والملك، منذ أربعين سنة، كان أول زيارة لبابا إلى دولة ذات أغلبية مسلمة (…) لم تكن زيارة صدفة، بل أتاحها مجال المغرب، الذي يجعله ملتقى بين المتوسط وإفريقيا والعالم العربي وأوروبا، ومجالا للحوار بين الإسلام واليهودية والمسيحية، تجد أصلها في دستور المدينة في عهد نبي الإسلام، الذي يقر عدم إجبار أي أحد على ترك دينه، وهو إيثوس موجود في المسيحية أيضا، وفي تعاليم جون بول الثاني والصلاة بين الأديان”.
وأكد المتدخل أن “الحوار والقبول المتبادل ضروري للعيش المشترك”، ثم شدد على أن “مشكل التطرف إيديولوجي وليس دينيا”؛ فـ”التطرف ينمو عندما لا يذكر الناس بواجبهم تجاه بعضهم، وحقهم في العيش في سلام”.
أما عبدو فيلالي أنصاري، عضو أكاديمية المملكة المغربية، فاهتمت كلمته بتجارب الإصلاح الديني في التجربة الإسلامية من محمد عبده إلى محمد أركون والتقابلات بين “إسلام الحداثة” و”الإسلام الليبرالي” و”العلماء التقليديين”، و”سوء التفاهم” الحاصل.

في حين ذكّرت كلمة الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، أحمد عبادي، ألقاها نيابة عنه فريد العسري، برمزية تقبيل البابا أرض المغرب، وإجابته دعوة الملك الحسن الثاني للتراب المغربي، وتوجه للشباب بتحية الإسلام في نوع من “الاعتراف المتبادل، واللقاء، والأخلاق العملية”، وكان لها أثر جيو-سياسي، “رسخ المغرب قوة بينية، بين المسلمين والمسيحيين، وتقوت شرعيتها وقوتها، في أفكار تحمل بعد الضيافة”.
ومن ثمار الزيارة المستمرة، تأسيس معهد الموافقة، وترميم دير تومليلين، وزيارة البابا فرانسوا واستقبال أمير المؤمنين محمد السادس له، قبل أن تشير الكلمة إلى أن زيارة البابا لأمير المؤمنين “يمكن أن تكون مختبرا حقيقيا عمليا، تكون له آثار عملية، تخلق الثقة، والتقارب”.
وتطرق محمد نور الدين أفاية، عضو أكاديمية المملكة المغربية، في كلمته إلى “ما بين ابن رشد والبابا من اتصال”، مسجلا أن هناك “نظرة متبادلة بين العرب والأوروبيين، تتميز باحتباس أصلي، وقلق مستمر في الزمان، بين النزوع للاعتراف والميل للحذر (…) ويمثل الدين في ذلك عاملا حاسما، ويحمل الرأسمال الرمزي تعميقا للحذر ومشاكل الاستبعاد”.

وفي ظل هذا الواقع، “كانت الزيارة الملكية إلى الفاتيكان منطلقا لحوار، وهي لفظة تعرضت لتشويه يخلطها بالمحادثة أو لعبة التفاوض بين قضايا يصعب فيها التفاوض، ووضع أطر عقلانية للتفاهم وضد التزمت والتعصب، ثم وجه الملك الحسن الثاني دعوة للبابا جان بول الثاني، وكانت الاستجابة جوابا صريحا لوضع لبنات رصينة بين الديانتين”.
وقرأ أفاية هاتين الزيارتين بكونهما نزوعا مشتركا “لكسر الصور النمطية الرائجة والأحكام المضللة، والابتعاد عن الأحكام المسبقة الرائجة منذ قرون (…) ولم يكن تقبيل البابا أرض المغرب حركة بلا دلالة، بل كان تقبيلا لقطعة أرض من مملكة الله مفتوحة على أفق الإنسانية، مهما كانت العقيدة واتجاه القبلة. في سياق ديني وعقدي مشحون، ومقاومة للنزوعات السلبية بل والتدميرية حينها، والتوافق الضروري بين العقل والإيمان”.
وعاد أفاية إلى تراث وبصمات في تاريخ الإنسانية، من أبرزها “أبو الوليد ابن رشد، فيلسوف قرطبة ومراكش، الذي اقترح ما بين الحكمة والشريعة من اتصال، والذي نعيش ذكرى وفاته 900 (…) وهو ما سيسلكه البابا كذلك في رسالته الشهيرة سنة 1998 (…) داعيا للحقيقتين، وهي أهم الاختراقات في عصره، وكشفت الامتدادات اللاتينية في الدعوة، وأقامت ميزانا واضحا بين مجالين يلتقيان في الهدف”.

وتطرق أفاية إلى تصورات البابا جان بول الثاني المنفتحة على “إرادة التعارف، والأخوة الإنسانية”، والتراجعات التي عرفها هذا التصور البابوي في عهد خلفه، علما أن “المؤسسة البابوية في تاريخها الوسيط والحديث لها موقف متبرم من الفلسفة. ورغم توجهات القديس أوغسطين وتوما الإكويني اللذين لم يخشيا على الإيمان من العقل (…) إلا أن هناك تحفظا على التوجهات العقلانية ، وأكبر تحد هو الفصل بين القدسي والزمني، بفعل ‘الأنوار’، والتبرم من النزعة الوضعية للاكتشافات العلمية”.
في هذا الإطار تفهم أهمية زيارة البابا جان بول الثاني إلى دولة ذات أغلبية مسلمة، ومصالحته بين أهل الإيمان وأهل النظر العقلي، في ظل عالم معاصر يقدّر البابا أن مأساته “الفصل بين الإيمان والعقل” التي أسقطته في “وضعية مفتقرة للأساس الأخلاقي والديني، ونسبوية لا تستقر على حال”، وهنا تبرز أهمية رسالة الفيلسوف ابن رشد الذي نادى بـ”موقف منسجم بين الفكر والعقل”.
هذا التصور ينبه محمد نور الدين أفاية إلى أهميته في “سياق إنساني متوتر ومقلق، حيث لا مجال للتقوقع (…) ولا بد من احترام إنسانية الإنسان مهما كانت عقيدته (…) وهو أفق للزيارة التي مرت عليها أربعون سنة، أكده المغرب باستقبال الملك محمد السادس البابا فرانسوا، ورسالة حول حاجة الإنسانية للأخوة الحقيقية، والاعتراف الفعلي للثقافات والشعوب، ونبذ النزوع الافتراسي للمصالح، المتخذ من القوة سبيلا، وإدانة الحروب باسم الدين، مهما كانت التأويلات (…) من أجل تركيب نشط بين العقل والإيمان، والذات والآخر، والأديان والثقافات”.
The post أكاديمية المملكة تستحضر أربعينية زيارة البابا للمغرب جسرا لـ"حسن الضيافة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





