... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
35949 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7952 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

أحمد قعبور ..الصوتُ في ساحاتٍ لا تنتهي

العالم
أمد للإعلام
2026/03/27 - 14:22 504 مشاهدة

أحمد قعبور من أسماء المقاومة وفلسطين، بصوته الجامح الحاسم المقتحم الجَمْريّ، الموّار بالصعود والمدّ والثبات. كبرنا على إيقاعاته فكبرت فينا الغابات. وصدحت أغانيه في الساحات وعلى الحواجز وخلف القضبان، فكان النسغ النّاري الذي أحرق العتمة، وأيقظ الخيولَ الوحشيّة في أنهار الروح. وكانت أغانيه طيورا أسطورية تدفّ من الجنوب اللبناني، فتغطّي بأقوادمها التلال والسهول الفلسطينية، وتحطّ عند نقاط الاشتعال وعلى القباب.
أحمد قعبور ومارسيل خليفة والشيخ إمام، وحتى وقت قريب، كانوا تاريخنا المتعالي المتجاوز، الذي فرشَ ومهّد وأصّل المدارك، ودبّ الحرائق في العتمات.. وأعان القلب لأن يحتشد برمّانه الساخن، ويضيء في ليل القتلة قناديلّه العائدة.  

قبل بضعة أعوام؛ تمّ تسميتي مع أحمد قعبور والروائي مروان عبد العال، لحصولنا على جائزة "الابداع المُقاوم"، فكانت أكثر من جائزة، إذ اقترنت بهذا الصوت المُشْرع كالنخلة السامقة. وعلى إثرها؛ جاءني طفلٌ لبناني أو فلسطيني، في المنام..لا أذكر تماما! لكن له ذات الوجه والملامح، وقال لي: لا تردموا البئر مرة أخرى! أرجوكم! ففي القاع خاتمي، وعلى طبعته نقشٌ يظهر صورتي مع الوَحشيْن. 
وفي ذات معتقل؛ قيّدوا يديّ، فتسربت الكهرباء إليّ وهزتني، فصعقت أعصابي وحرقت رسغيّ وشعطت قلبي..ورجّتني حتى تلقلق عظمي بين لحمي، وسكبت ماء النار والفلفل في مفاصلي..ولم أثب إلا على إيقاع صوتك البحريّ الساطع.
 ..وماذا فعلت؟
 كنت أغنّي وأدندن بصوت عالٍ، فساقوني لسرير الكهرباء..غير أن أغنيةً شمالية  أنقذتني..وما زالت تملأني بالجلّنار.
اصرخْ يا أخي ب"نحنا الناس"! حتى يتزلزل الكون. ووجّه صراخك للدنيا، فهي كهف الخرافات الذي يمتصّ كلّ الرعود وتأوب إليها كل الأصداء. اصرخ "وأقول أفديكم" حتى يتشقّف صخر الجبال، ويتمزّع وجه الجرود، ويتطاير البحر قطعاً في كل مكان. اصرخ إلى أن تذوي كلّ الأصوات وتنوس ألسنة الخلائق وتخرس نداءات الإنفعال. اصرخ لتنفخت آذان المنصتين المُرجفين، وتنعقد ألسنة الحكّائين. اصرخ حتى يسمع سكان السماوات رجّة الصدى. واصرخ حتى لا يجوح أو يبكي أو ينادي من له فم وأشداق مجّانية. اصرخ فإن هذا العالم لا يرى ولا يتكلم ولا يسمع إلا ما يريد، فليسمع ما نريد. 
يا مُغنّي القلعة المحكومة بالصمود والحنان والبساطة المنداحة والأمومة الحارسة للمواقد! نحن لا نتمتع بريحانة الفِراش القابل للتقلّب وتغيير الأثواب والأصوات. لأننا من فلذة الحجر وحمأة المصاطب. ولا أعلم الفرق بين امرأة موجة، وامرأة رملية، بقدر ما أحاول أن أثبت للطفلة أمّها، وللاُمّ طفلتها. 
ويا أغنيتكَ السّارحة الجارحة الواضحة الجامحة بالأحلام وآلآم الحمل والولادة..
لن نطيق الشتاء الساخن دون أثافي الأمومة المتحوّلة. ولن يحلو الربيع دون طائرات الورق ومناغاة الحليب والخربشات الغامضة. فافتح جنةّ الدنيا لننسى جهنّم الحرب المجنونة، التي توزّع خرابها وشظاياها وأيتامها في كل الجغرافيات البائسة. وإذا أحسست بأنّ الحياة هي جهنم الدنيا، فاخشع وأنت في تقمّص الشهيد، واستذكار كربلاء الممتدة..وعندها سنفرّ كالحلم الأخير من الليل الباقي في الهزيع والقتاد. وها هي السماوات بغنائها معنا. أفلا تبصرون؟        
إن يوما جنوبيا يترسّم أغنيتك كفيلٌ بخلق ألف أغنية عميقة خضراء، تُغطّي الأرض والسماء.
وقريبا، وعند بوابات البحر، سيرى الصدفُ رحيل الغرباء عن كهوفه البريئة، وسنعي دعوته لزيارتك الغائبة الممكنة، ورؤية بيوت الأطفال الرميلة، وزلزلة الموج واندياح جدرانها الرخوة. وربما..ربما، عندئذ، أحاول أن أكون عصرياً يليق بموسيقى تريدها منّي منذ زمن على لحنك البعيد. 
أيها المُغنّي! الذي لم تفرش له أُمُّه مزودة العنكبوت، ولم تنصب له خيمة النزوح! بل تركته حتى يصل، دون دليل، إلى اللحن الساهي في الحروف المتّقدة!
 ولا حدود للحارة أو الحيّ في بلدتك البسيطة، لكنّ جهاز الاتصال الذي اجتاحها، شوّش النهر، الذي يغذّي الأعذاق، لكنّ أسماكه ظلّت ملّونة، في القاع بين تجاويف الصخور الراسخة.
ولعلك أبصرتَ مشهد اللجوء!
فقراءٌ يَلتْحَفوُنَ الغيومَ، ويلفِعُونَ الأطفال بالضَّفاَئِر ويَحُبوّنَ الحياةَ، فتنشَّقُّ السماءُ وتشهقُ، لتباركَ سواعدهمُ المُطرّزةَ بالأعشاب والندى.   
ويتصاعدُ الأرجوانُ يسربلُ اغصانَ البرق ويكسرُ الدُجى الثقيل. فتعشقُ غيمةٌ بكْر غيمةً تُشبهها، ليظلَّ الرعدُ إيقاع القوافل العائدة بالكُحْلِ والخواتم والحداء.
وعندما عاد أبوك مُرهقاً آخر ذلك النهار، وجدك نائماً..فقال: دَعوهُ يَحلم، فإنه سيُحيل السنينَ العجافَ إلى خوابٍ وندى، إتركوهُ في حَمْأة الشَمسِ يُؤَسّسُ نَشيدنَا القزحيَّ، وامشوا على خُطى أنبيائكم أيُّها اللاجئون..ودعوهُ يَحلم!
 سيخرجُ من فُصولِ سِنيّكم ومراحل دوائركُم الرماديّةِ، ليمتطيَ صهوةَ الحجارة واللظى..ليرفضَّ من روحِ حلمهِ بركانُ الوضوح، ويغطّي صفيحكم بأرجوان سبحاته ومشاويره الدامية.
و..دعوه يحلم.
وبعد عقود قليلة؛ وجدوا أنفسهم..فَخرجَ الفتيانُ تحت المطر الشرس، يفتحون قمصانَهم، ويرفعون رؤوسَهم، كأنّهم يَعبّون الغيومَ، ويتنفسّون أقواسَ قزح، ويغتسلون بالسحاب، ويعودون، والبخارُ يتفشّى حولهم، وينضحُ من أبدانهم الفتيّة الساخنة. كان ذلك أيام الانطلاقة الفاتحة..كما كان ذلك أيام الانتفاضة العبقرية..
وأغنية أحمد قعبور تؤوّب في صدورهم.
ولهذا سيقولون: الحنّون المُضْمَر في الثوب المُسْدل على أكتاف الشجرة الأُمّ، بات معزوفة سماوية ترحب بالطيور، ويدعوها للحياة.
لقد لَبّت النداء، وامتلأت ب "أناديكم".

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤