من الانشغال بالقضيتين كتبت "عصور دانيال" لأرسم صورة لمدينة مهزومة تخلى فيها أفرادها عن حريتهم واستغولت السلطة ففعلت فيهم ما فعلت.
إلى أي مدى تتعايش مع أبطال رواياتك، وهل تضفي عليهم بعضا من صفاتك الشخصية أم تتركهم لتحديد مصائرهم بأنفسهم؟
ربما يحمل بعض شخصياتي جزءا من أفكاري حول الحياة، لكنها لا تمثل حياتي إلا في أضيق الحدود. أنا أحب التأليف، وصنع عوالم وشخصيات وأحداث، وحتى لو تسرب شيء شخصي إلى هذه الشخصيات فإنه يكاد يكون واهنا.

الرواية والتاريخ
هل يمكن بعض الأعمال الروائية أن يؤرخ لأحداث معينة أكثر من الكتب التاريخية؟
التاريخ والفلسفة والتراث العربي ليست مجرد مصادر للإلهام بالنسبة إلي، بل هي الركائز الأساس التي شكلت وجداني وفكري، وغذت خيالي الأدبي وروحي الثقافية. وفي الوقت نفسه، أصر على أن أكون ابن هذا العصر بكل ما يحمله من تحديات وفرص، متفاعلا مع مستجداته ومؤثراته، عاكفا على التقاط نبض الحياة المعاصرة وتجسيده في كتابتي، لأروي قصص هذا الزمن وأعبر عنه بصوت حي وصادق، يجمع بين عبق الماضي ورؤية الحاضر.
إلى أي حد يشكل التاريخ العربي، بثقله التاريخي، مصدرا مهما في فعل الكتابة لديك؟
لا أحد يستطيع أن يرفض الرواية التاريخية، فالسؤال الحقيقي لا يكمن في قبولها أو رفضها، بل في الطريقة التي تكتب بها.
وفي حالة روايتي "حصن التراب"، لم يكن هدفي مجرد سرد الأحداث كما وردت في الكتب الرسمية، بل انطلقت من قناعة أن التاريخ الرسمي غالبا ما يحمل تحيزاته وتزييفه، وأن ما نعرفه عنه ليس بالضرورة الحقيقة الكاملة.

لذلك قررت بناء عالم تاريخي جديد، قائم على منظور مختلف، يمنح الشخصيات حريتها، ويعيد صوغ الوقائع برؤية أكثر عمقا وصدقا، ليصبح التاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل تجربة حية تعكس صراعات الإنسان وآماله ومآسيه.

الكتابة والترجمة
تكتب الرواية، وتمارس الترجمة. هل تخشى أن يتدخل أحدهما في شؤون الآخر خلال الكتابة، وبالتالي، أين ينتهي الروائي عندك، وأين يبدأ المترجم؟
الكتابة هي مشروع حياتي، والترجمة مهنتي ولي فيها مشروع أتمنى أن يكون له بصمة، وأنا أظن أن أفضل مهنة يعمل بها الكاتب هي الترجمة، إنها مساحة مهمة للتعامل مع اللغة بشكل مستمر.
انطلاقا من تجربتك، عندما تكبر التجربة الروائية وتتراكم، هل تصبح الكتابة أصعب؟
الكتابة لا تعرف طريقا سهلا أو معبدا، فهي دائما تجربة فريدة تواجه فيها كل رواية كأنها أولى المحاولات على الإطلاق، تحمل في طياتها تحدياتها الخاصة ومشقاتها التي لا تقل عن سابقاتها، لتظل كل صفحة اختبارا للصبر والإبداع وإرادة الكاتب في مواجهة الصعوبات التي تصنع منها حرفا نابضا بالحياة.
ماذا أعطتك الكتابة حتى الآن وهل هي جديرة بالتضحية من أجلها على حساب أمور حياتية أخرى أكثر حتمية وأكثر ضرورية؟ أم أن الكتابة هي الأكثر حتمية وضرورية؟
الكتابة ليست بالنسبة إلي مجرد فعل أقدمه أثناء جلسة محددة، بل هي جوهر حياتي وروحي التي أتنفسها في كل لحظة. فأنا لا أكتب فقط حين أستلقي أمام الورقة أو الشاشة، بل أعيش تجربة الكاتب باستمرار، فكل خطوة أخطوها، وكل لحظة أعيشها، تصبح مصدرا يغذي كتابتي، من قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام، إلى السفر واستكشاف الأماكن والتأمل في تفاصيل الحياة الدقيقة، كل شيء حولي يتحول إلى نص ينبض بالحياة والإلهام.




