اضطرابات الجهاز العصبي ربما تسبب الاكتئاب المقاوم للعلاج
كشفت دراسة علمية حديثة عن تحول مهم في فهم الاكتئاب، خاصة الحالات التي تصنف على أنها "مقاومة للعلاج"، موضحة أن المشكلة ربما لا تكون نفسية في الأساس، بل فسيولوجية مرتبطة بخلل في الجهاز العصبي اللاإرادي.
اعتمدت الدراسة، التي نشرتها مجلة Brain Medicine، على متابعة أكثر من 8 آلاف مريض يعانون من اضطرابات في الجهاز العصبي اللاإرادي، من بينهم أكثر من 2000 شخص سبق تشخيصهم بالاكتئاب.
لم يكن هؤلاء المرضى يعانون فقط من أعراض نفسية، بل من مجموعة واسعة من الأعراض الجسدية، مثل الإرهاق الشديد، وتشوش التفكير، والدوخة عند الوقوف، واضطرابات النوم، وآلام مزمنة، ومشكلات هرمونية.
تحكم لاإرادي
ويتحكم الجهاز العصبي اللاإرادي في وظائف الجسم الأساسية مثل تدفق الدم، وضربات القلب، والتنفس، وينقسم إلى فرعين؛ الجهاز السمبثاوي المسؤول عن الاستجابة للحركة والضغط، والجهاز الباراسمبثاوي المسؤول عن الاسترخاء والتوازن.
وأظهرت الدراسة أن الخلل في التوازن بين هذين النظامين ربما يؤدي إلى انخفاض تدفق الدم إلى الدماغ، ما يسبب أعراضاً تشبه الاكتئاب.
وتوصلت الدراسة إلى أن نحو 79.5% من المرضى يعانون من ضعف في نشاط الجهاز السمبثاوي، ما يؤدي إلى تجمع الدم في الأطراف السفلية عند الوقوف، وبالتالي عدم وصول كمية كافية إلى الدماغ.
وأظهرت النتائج أن أكثر من نصف المرضى لديهم نشاط زائد في الجهاز الباراسمبثاوي، ما يسبب توسعاً غير مناسب في الأوعية الدموية ويزيد من صعوبة الحفاظ على تدفق الدم بشكل طبيعي.
وربما يؤدي النقص في التروية الدموية للدماغ إلى حالة تشبه "الجوع الدماغي"، إذ لا يحصل الدماغ على ما يكفي من الأكسجين والجلوكوز، وهو ما ينعكس على الحالة المزاجية والتركيز والطاقة.
وأوضحت الدراسة أن طرق القياس التقليدية للجهاز العصبي لم تكن قادرة على التمييز بدقة بين نشاط الفرعين، وهو ما أدى إلى تشخيصات غير دقيقة في كثير من الحالات، لكن باستخدام تقنيات أكثر تطوراً، تمكن الباحثون من فصل الإشارات وتحليل كل نظام على حدة، ما ساعد في تحديد الخلل الحقيقي.
واعتمد الباحثون في العلاج على نهج تدريجي بجرعات منخفضة من الأدوية، إلى جانب تدخلات غير دوائية مثل مكملات غذائية وتمارين خفيفة منتظمة.
وأظهرت النتائج تحسناً ملحوظاً خلال فترة تتراوح بين 9 إلى 12 شهراً، إذ انخفض متوسط عدد الأعراض من أكثر من 23 عرضاً إلى نحو 5 فقط. كما تحسن الإرهاق لدى أكثر من 77% من المرضى، وتحسنت جودة النوم بشكل كبير.
وأشارت الدراسة إلى أن العديد من الحالات التي سبق تصنيفها على أنها "مقاومة للعلاج" ربما لا تكون كذلك، بل تعاني من خلل فسيولوجي يمكن علاجه إذا تم تشخيصه بشكل صحيح.
ورغم أهمية النتائج، إلا أن الباحثين أكدوا أن الدراسة لا تزال بحاجة إلى تجارب سريرية أوسع وأكثر دقة لتأكيد هذه الفرضية، خاصة أنها اعتمدت على ملاحظات دون وجود مجموعة ضابطة مقارنة.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام إعادة التفكير في طريقة التعامل مع الاكتئاب، وتدعو إلى دمج الفحوصات الفسيولوجية مع التقييم النفسي، بدلاً من الاكتفاء بالعلاج الدوائي التقليدي.
وربما يكون هذا التوجه خطوة نحو فهم أكثر شمولاً للصحة النفسية، إذ لا ينظر إلى العقل بمعزل عن الجسد، بل كجزء من منظومة واحدة متكاملة.






