أبو رخية يكتب: معان ذاكرة الأردن التي لا تجف
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
مدار الساعة
2026/05/25 - 15:40
502 مشاهدة
أبو رخية يكتب: معان ذاكرة الأردن التي لا تجف مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 18:40 حجم الخط مدار الساعة - كتب المهندس فراس إبراهيم أبو رخية - -ليست معان مدينةً تُعرَّف بموقعها على الخريطة، ولا تُختصر بمسافةٍ جنوبيةٍ تفصلها عن العاصمة؛ إنها مدينةٌ تُقرأ كما تُقرأ النصوص العميقة: طبقةً بعد طبقة، وذاكرةً بعد ذاكرة، وحكايةً بعد حكاية. في معان لا يقف التاريخ خلف الناس، بل يمشي بينهم؛ في السبيل، وفي السكة، وفي السوق القديم، وفي بيوت الطين، وفي البساتين التي قاومت الجفاف بالخضرة، وفي السحجة التي ما زالت تمنح الفرح هيبته القديمة.معان مدينة البدايات، وعتبة الجنوب، وواحدة من تلك المدن التي لا تصنع حضورها بالصخب، بل بالرسوخ. لها في الوجدان الأردني مكانة خاصة، فهي قريبة من لحظة التأسيس، ومن ذاكرة الدولة الأولى، ومن ذلك الزمن الذي كان فيه الحلم الأردني يتشكّل على مهل. وما يزال قصر الملك عبدالله المؤسس في معان شاهدًا على هذه الرمزية، لا بوصفه بناءً تاريخيًا فحسب، بل بوصفه علامة على أن المدينة كانت حاضرة في فصلٍ عميق من فصول الوطن.وفي قلب هذه الذاكرة يقف سبيل معان، كأنه المعنى المكثّف للمدينة كلها. فالسبيل ليس مائدةً تُمدّ في موسمٍ ثم تُطوى، وليس ماءً يُقدَّم لعابرٍ ثم يُنسى؛ إنه فلسفة مدينة، ووجهٌ من وجوه أخلاقها. في السبيل يتحوّل الكرم من فعلٍ فردي إلى هوية جماعية، ويتحوّل إطعام الناس إلى لغةٍ اجتماعيةٍ رفيعة تقول إن الإنسان لا يكتمل إلا بما يقدّمه لغيره. هناك، في سبيل معان، لا يكون الزاد مجرد طعام، بل رسالة محبة، ولا يكون الماء مجرد ارتواء، بل عهدًا قديمًا بين المدينة وأخلاقها.سبيل معان هو صورة المدينة حين تفتح قلبها قبل بابها. هو امتداد لمجالس الآباء والأجداد، حيث كان الضيف يدخل عزيزًا، ويخرج محمولًا بالدعاء والذكر الطيب. ومن هذا السبيل نفهم أن الكرم في معان ليس مناسبةً عابرة، بل عادةٌ متجذرة في الوجدان، وأن خدمة الناس ليست عبئًا، بل رفعة ومروءة وشرف.ثم تمضي الذاكرة إلى سكة حديد معان، تلك التي لا ينبغي أن تُرى كخطٍّ من الحديد فحسب، بل كأثرٍ عميقٍ في ذاكرة الوطن. سكة حديد معان جزء من حكاية خط حديد الحجاز، ومن حضور العهد العثماني في المكان، ومن طبقات التاريخ التي مرّت على المدينة وتركت فيها بصمتها. غير أن قيمتها الأعمق ليست في الحديد وحده، بل في الرمز؛ فهي شاهد صامت على م...





