أبناءُ البيتِ الواحد لا يتهادمُون
في الأزمنة التي تضيق فيها المهنُ بأهلها، وتتحولُ فيها الخلافات الفكرية إلى معارك صغيرة تُستنزف فيها الكرامات قبل الحجج، يبدو مؤلماً أن يخرج بعضُ أبناء الجامعة ليطعنوا في الجامعة ذاتها، وأن يصبح الأستاذ الجامعي هدفاً لعبارات لا تُشبه العلم، ولا تمتُّ إلى أخلاق الاختلاف بصلة.
كأننا نسينا أن المؤسسات لا تُضعفها القوانين بقدر ما يُضعفها أبناؤها حين يفقدون لغة الاحترام، ويستبدلون الحوار بالرغبة في الهدم.
إن النقاش الدائر حول رفع حالة التنافي بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي ليس معركةً بين فريقين، ولا امتحاناً للولاءات، بل سؤالٌ يتعلق بكيفية تطوير المعرفة القانونية وربطها بالحياة.
فالأستاذ الذي يقف في المدرج صباحاً، ثم يقف في المحكمة مساءً، لا يعيش ازدواجاً في الأدوار، بل يُكمل المعرفة بالواقع، ويمنح القانون روحاً لا توفرها الكتب وحدها.
الجامعة التي تنغلق على ذاتها تتحول مع الوقت إلى قاعات صامتة تُعيد إنتاج النصوص ذاتها، أما حين يختلط الفكر بالممارسة، فإن المعرفة تصبح أكثر قدرة على خدمة المجتمع والعدالة معاً.
ولم يكن الجمع بين التدريس والمحاماة، في التجارب الكبرى، مدعاةً للانتقاص من قيمة الأستاذ، بل كان سبباً في تعزيز حضوره وهيبته.
لأن الطالب لا يحتاج إلى حافظٍ للنصوص فقط، بل إلى عقلٍ يعرف كيف تتحرك القوانين خارج الورق، وكيف تتحول المبادئ داخل المحاكم إلى وقائع إنسانية معقدة.
الأستاذ المحامي لا يُضعف الجامعة، بل يحملها معه إلى فضاءات أوسع، ويعيدها من التجربة أكثر نضجاً وواقعية.
أما المؤلم حقاً، فليس الاختلاف في الرأي، فالاختلاف ضرورة لكل مجتمع حي، وإنما الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف.
ثمة نبرة قاسية بدأت تتسلل إلى الخطاب الجامعي، نبرة تنسى أن من يهاجم أستاذه اليوم، كان بالأمس يجلس أمامه متلقياً للعلم، متكئاً على صبره وخبرته.
وليس من الوفاء، ولا من الرقي الأخلاقي، أن يتحول الخلاف المهني إلى تنكرٍ للفضل، أو إلى محاولة للنيل من قيمة الأستاذ الجامعي ومكانته الرمزية داخل المجتمع.
لقد وُضعت حالة التنافي في سياقات تاريخية وتنظيمية معينة، وكان لها ما يبررها في زمنها، لكن القوانين ليست نصوصاً مقدسة معزولة عن حركة الواقع.
وما يجري اليوم ليس هدماً للمهنة، بل محاولة لتطويرها بما ينسجم مع تجارب قانونية ودولية متقدمة، اختارت تنظيم الجمع بين المهنتين بدل منعه.
لذلك فإن تصوير الأمر وكأنه تهديد للجامعة أو للمحاماة لا يخدم أحداً، بل يفتح أبواب الانقسام داخل جسمٍ يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى التماسك والدفاع عن مكانته الاعتبارية والعلمية.
وسيظل الأستاذ الجامعي، سواء مارس المحاماة أو اختار التفرغ للتدريس، قيمةً معرفية لا تُقاس بالمواقع ولا بالمناصب.
فالجامعة لم تكن يوماً مجرد وظيفة، بل كانت دائماً فكرةً أكبر من الأشخاص، ورسالةً تقوم على الاحترام قبل أي شيء آخر.
وحين يفقد أبناء البيت الواحد قدرتهم على حماية بعضهم، يصبح الخطر الحقيقي ليس في القوانين، بل في ذلك التصدع الصامت الذي يبدأ من اللغة، ثم يمتد إلى الروح كلها.
أستاذ جامعي في القانون-
ظهرت المقالة أبناءُ البيتِ الواحد لا يتهادمُون أولاً على مدار21.





