... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
95361 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7949 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

ابن تيميّة بقراءة مغربيّة

العالم
هسبريس
2026/04/03 - 20:08 501 مشاهدة

“لمن لا يعرف ابن تيميّة..”؛ هكذا تكلّم الأستاذ عبد الإله بنكيران ذات يوم من على منصّته في لقاء جماهيري بمدينة أكادير نهاية يوليو 2016. كان يقصد “الحرّاني” (1)، وهو يستشهد بمقولته: “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أينما رحت لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”.

تساءلتُ حينها: كيف يكون ابن تيميّة هذا وحيد قرنه؟ وكيف لم يسبقه أحد منذ 700 سنة مضت لأفكار أثارت جدلاً واسعاً؟ كيف يزعم في المقابل بأنَّ “الاشتغال بالعلوم الطبيعية والعمرانيّة، كالاجتماع، الفلسفة، المنطق، الجغرافيا، الفلك، الهندسة والكيمياء، ردّة عن الدّين”؟

كنتُ أبحث عن السبب، فإذا بي أصادف دراسةً شاملة لأحد الباحثين، عدّد له فيها “الخطايا العشر”؛ معلِّقاً على ذلك: “هل تدري لماذا يحتفي أدعياء السلفية بكتاب ابن تيميّة (منهاج السنّة النبويّة)؟ بل يكاد يكون مرجعهم الوحيد الذي يتعبدون به، ويقدّمونه على أي كتاب آخر! نعم؛ إذا عُرف السبب بطل العجب!”.

حسب وجهة نظر الباحث: “هذا الكتاب هو أسوأ كتاب خطّته أنامل بشر؛ بسبب الافتراءات، الكذب، والغلو الذي اكتظت به صفحاته! فهو لا يقل سوءاً عن كتاب (التلمود) الذي يؤمن به غلاة اليهود” (2).

لقد بقي عجبي ولم يغادر! رغم أني كعادتي أتعجب من العجب إذا ما كان له محل.. فقلتُ في نفسي: ربما يكون الباحث بدوره مغالياً؟ أو أنّ اختلاف المذهب والطريقة بينهما هو السبب وراء انتقاده للشيخ.. لكن هل من سبيل لقراءة هذا الشخص قراءةً موضوعيّة؟ “فالحقُّ ما تراه، والباطل ما تسمعه”؛ كما قال الإمام علي عليه السلام، بل إنّ المنطق القرآني يصبُّ في ذلك: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ) [سورة طه: 46].

لقد زعم ابن تيميّة “أنَّ الله محل الحوادث! لا أول لها، وأنه مركّب مفتقر إلى ذاته؛ افتقار الكل إلى الجزء” (ابن تيمية، “الموافقة”، الجزء 2، صفحة 75). كما اعتبر “الحزن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا فائدة فيه!”، ونفى الاستعانة بالنبي في حال حياته (ابن تيمية، “مجموع الفتاوى”، الجزء 18، الصفحة 319).

الثابت في “صحيح البخاري” و”صحيح مسلم” أنّ السيدة فاطمة الزهراء هجرت الخليفة أبا بكر حتى ماتت، ابن تيميّة علّق على ذلك في منهاجه كالتالي: “لم يكن هذا مما يُحمد عليه، ولا مما يُذم به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحاً أقرب منه إلى أن يكون مدحاً” (ابن تيمية، “منهاج السنة النبوية”، الجزء 4، الصفحة 244). بل وشبّه غضب السيدة فاطمة الزهراء “بغضب المنافقين” (ابن تيميّة، “منهاج السنة النبوية”، الجزء 4، الصفحة 244 و246)، ثم إنّ قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونسبه لا يفيد ولا ينفع (ابن تيميّة، “دقائق التفسير”، الجزء 2، الصفحة 48).

أيضاً اعتبر ابن تيميّة إيمان السيدة خديجة غير كامل (ابن تيمية، “منهاج السنة النبوية”، الجزء 4، الصفحة 303 و304)، وطعن في خلافة الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام فقال: “لم يتمكّن أحد من آل البيت من الإمامة إلا علي بن أبي طالب، مع أنّ الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعه”، ويمضي لمقارنته: “فكانت ولاية عثمان بن عفان فيها من المصالح والخيرات ما لا يعلمها إلا الله، وما حصل فيها من الأمور التي كرهوها -إلا كتأمير بعض بني أمية وإعطائهم بعض المال ونحو ذلك- فقد حصل من ولاية من بعده ما هو أعظم من ذلك من الفساد، ولم يحصل فيها من الصلاح ما حصل في إمارة عثمان” (3).

في موضع آخر وبخصوص مقارنته للخلفاء يقول: “ولهذا كان الذي قتل عمر كافراً يبغض دين الإسلام ويبغض الرسول وأمته، والذي قتل علياً كان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، وقتله معتقداً أنّ الله ورسوله يحبان قتل علي، وفعل ذلك محبة لله ورسوله في زعمه، وإن كان في ذلك مبتدعاً ضالاً” (4).

لهذه الأسباب وغيرها اعتبره محمد عبد الشافي القوصي من وجهة نظره “معادياً للعقل والعلم”؛ وهو يورد موقف ابن تيميّة من جابر بن حيان، إذ قال فيه: “ذلك رجل مجهول لا يُعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم، ولا بين أهل الدّين، وكتبه في الكيمياء أشد تحريماً من الربا” (ابن تيمية، “مجموع الفتاوى”، الجزء 29، الصفحة 373 و374).

أيضاً حسب محمد حبش، فقد أفتى ابن تيميّة بالقتل في مخالفات سخيفة وبسيطة، وتكررت بالتالي عبارته الشهيرة: “يستتاب وإلا قُتل” (427 مرّة) في فتاويه. ويمكن لأي كان من خلال برنامج “المكتبة الشاملة” على الإنترنت إجراء إحصاء بسيط يضم سائر مؤلفاته لكي يقف على هذه الكارثة، ويفهم أنّ أحسن قراءة لكبير ومنظر السلفيّة هو الرحالة المغربي ابن بطوطة (5).

ابن بطوطة المالكي، قضى 28 سنة من عمره رحالة وقطع أكبر مسافة في عصره، يقول في كتابه “رحلة ابن بطوطة”: “وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدّين ابن تيميّة، كبير الشام، يتكلم في الفنون إلا أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرّة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر، فأمر بإشخاصه إلى القاهرة (…) فأمر الملك الناصر بسجنه، فسُجن أعواماً وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه (البحر المحيط) في نحو أربعين مجلداً، ثم إنّ أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه، فأمر بإطلاقه. إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنتُ إذ ذاك بدمشق، فحضرتُ يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا)، ونزل درجة من درجات المنبر، فعارضه فقيه مالكي يُعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها، واحتمله إلى دار قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعزّره بعد ذلك..” (6).

وبالتالي كان ابن بطوطة شاهد عيان على الواقعة التي تحدث فيها عن فترة خروج الشيخ الحرّاني من السجن في المرّة السابقة. وللإشارة فقد كان مجموع ما حُبس ابن تيميّة لا يتجاوز عامين، قضاها بعد شكاوى الأهالي منه بسبب خصوماته معهم والتجرؤ على تكفيرهم.

ثم إنّ ابن بطوطة لم ينفرد بقول ذلك، بل قاله أيضاً أبو عبد الله المقري، كبير علماء المغرب المتوفى سنة 759هـ في ترجمته “نظم اللآلئ”، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة”، والإمام أبو علي الحسن الدمشقي (التقي الحصني) في كتابه “دفع شبه من شبّه وتمرّد” (صفحة 65)، وكذلك ابن رجب الحنبلي في “طبقات الحنابلة” (صفحة 95).

من الطبيعي أن يدافع الوهابيون عن شيخهم الأعظم ويقولون إنّ “الوقت الذي أرّخ فيه الرحالة ابن بطوطة للواقعة كان فيه الشيخ ابن تيميّة في السجن، فدخول ابن بطوطة إلى دمشق كان في التاسع من شهر رمضان عام ست وعشرين وسبعمائة هجرية، بينما كان سجن ابن تيمية في قلعة دمشق أوائل شعبان من هذا العام”. لكن ما لا يقرّ به هؤلاء أنّ ابن بطوطة سُرق في الهند الصينية، وكان من جملة ما سُرق رحلته، فلما رجع إلى بلاده المغرب عاود تدوين رحلته من جديد اعتماداً على الذاكرة فقط.

لقد نُشر كتاب ابن بطوطة بعد 28 سنة من وفاة ابن تيميّة، ولم يتطرق أحد من معاصريه ولا تلامذته لتكذيب ابن بطوطة فيما رواه، حتى جاء الشيخ اللبناني محمد رشيد رضا بعد 600 سنة، بالضبط في سنة 1936، لكي يشكك في مقولة ابن بطوطة: “فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر”. وعليه؛ إذا كان الإدريسي قد رسم للعالم خريطة جغرافية، فإنّ أبا عبد الله الطنجي (ابن بطوطة) قد رسم جغرافية العقل الوهابي.

الهوامش:

(1) في مدينة حرّان وُلد ابن تيميّة سنة 661 هجرية / 1263 ميلادية، لأبيه عبد الحليم ابن تيمية الذي شغل مكانه في التدريس. كان لابن تيمية درس راتب في تفسير القرآن الكريم بالجامع الأموي بدمشق. تعرّض عدة مرّات للملاحقة؛ ففي سنة 693 هجرية / 1294 ميلادية اتُّهم بتحريض الناس على شخص نصراني بلغه عنه أنه شتم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). في القاهرة أيضاً سُجن مدة ثمانية عشر شهراً، وكان ذلك سنة 705 هجرية / 1306 ميلادية بسبب مسألة العرش والنزول، كما سُجن عدة أيام في سنة 707 هجرية / 1308 ميلادية بسبب شكوى من طرف المتصوفة حيث تكلم في القائلين بوحدة الوجود. وقد عاصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وسُجن آخر مرة في سنة 726 هجرية / 1326 ميلادية بسبب مسألة “زيارة القبور وشد الرحال إليها”. تُوفي سنة 728 هجرية / 1328 ميلادية عن عمر يناهز 67 سنة.

(2) محمد عبد الشافي القوصي، “الخطايا العشر لابن تيميّة”، مجلة العقيدة، العدد 19، محرم 1441 هجرية / نوفمبر 2019.

(3) المرجع السابق.

(4) ابن تيمية، “منهاج السنة النبوية”، الطبعة الحديثة، الجزء 4، صفحة 155.

(5) محمد حبش، “يستتاب وإلا قُتل.. قراءة في فتاوى التكفير والدم”، وكالة نورث برس، 27 فبراير 2021.

(6) يقول ابن تيميّة في كتاب “بيان تلبيس الجهميّة” (الصفحة 243): “ولا حملة العرش حملوه بقوتهم، ولا استقلوا بعرشه، ولكنهم حملوه بقدرته؛ وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبّار في عزته وبهايئه، ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم؛ حتى لُقنوا: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته، ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السماوات والأرض ولا من فيهن، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض”.

The post ابن تيميّة بقراءة مغربيّة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤