ابن عربي: إذا متنا انتبهنا!!!
•ابن عربي: إذا متنا انتبهنا!!!د.
•أيوب أبوديةتُنسب إلى محيي الدين ابن عربي العبارة الشهيرة: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.” وعلى الرغم من أن الباحثين يختلفون في صحة نسبتها إليه، فإنها تعبر عن فكرة صوفية عميقة ترى أن الإنسان يعيش في...
•وإذا انتقلنا بهذه الفكرة من بعدها الروحي إلى واقعنا العربي المعاصر، وجدنا أنها تصلح مدخلًا للتأمل في أزمات الفكر والسياسة والثقافة والتنمية التي تعيشها المنطقة، حيث يبدو أن كثيرًا من المجتمعات والدول...
هذا الخبر من سواليف. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: سواليف | Source: سواليفابن عربي: إذا متنا انتبهنا!!!
د. أيوب أبودية
تُنسب إلى محيي الدين ابن عربي العبارة الشهيرة: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.” وعلى الرغم من أن الباحثين يختلفون في صحة نسبتها إليه، فإنها تعبر عن فكرة صوفية عميقة ترى أن الإنسان يعيش في الدنيا أسيرًا للغفلة والأوهام، ولا يدرك حقيقة الأشياء إلا عندما تزول الحجب التي تحيط بوعيه. وإذا انتقلنا بهذه الفكرة من بعدها الروحي إلى واقعنا العربي المعاصر، وجدنا أنها تصلح مدخلًا للتأمل في أزمات الفكر والسياسة والثقافة والتنمية التي تعيشها المنطقة، حيث يبدو أن كثيرًا من المجتمعات والدول ما تزال تتحرك داخل دائرة من “النوم الحضاري”، بينما يتغير العالم من حولها بسرعة غير مسبوقة.
فالغفلة التي يقصدها المتصوفة ليست مجرد النوم الجسدي، وإنما هي الغياب عن إدراك الحقيقة. وفي السياق العربي يمكن فهم هذه الغفلة بوصفها العجز عن رؤية أسباب التراجع الحقيقية. فكثيرًا ما تُلقى المسؤولية على المؤامرات الخارجية وحدها، أو على الماضي الاستعماري، أو على الظروف الدولية، مع أن هذه العوامل، مهما كانت مؤثرة، لا تلغي مسؤولية الإنسان عن إصلاح مجتمعه وبناء مؤسساته. إن الأمم التي حققت نهضتها لم تنتظر تغير الظروف، بل بدأت بإصلاح التعليم، وتشجيع البحث العلمي، واحترام القانون، وبناء ثقافة العمل والإنتاج.
ومن مظاهر هذا “النوم” أيضًا الانشغال بالصراعات الهامشية على حساب القضايا الجوهرية. ففي الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والتقنيات الحيوية، واستكشاف الفضاء، ما تزال أجزاء من العالم العربي تستنزف طاقاتها في نزاعات طائفية، أو صراعات أيديولوجية، أو خلافات سياسية طويلة الأمد. وهكذا تتحول الطاقات البشرية إلى وقود للصراع بدل أن تكون محركًا للتنمية والإبداع.
ولا يقتصر الأمر على السياسة، بل يمتد إلى الثقافة أيضًا. فقد أصبح جزء من الخطاب العام أسيرًا للتكرار وإعادة إنتاج الأفكار القديمة، بينما تراجعت مساحة التفكير النقدي والحوار العقلاني. فالغفلة ليست نقصًا في المعلومات بقدر ما هي غياب القدرة على التساؤل، ومراجعة المسلمات، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعرفة والانطباعات. وعندما يغيب التفكير النقدي يصبح المجتمع أكثر عرضة للشائعات، ولخطابات الكراهية، وللتفسيرات التبسيطية التي تقدم حلولًا سهلة لمشكلات معقدة.
وفي مجال التعليم تبدو صورة الغفلة أكثر وضوحًا. فما زالت بعض الأنظمة التعليمية تركز على الحفظ والاستظهار أكثر من تنمية مهارات التحليل والإبداع. ويخرج كثير من الطلاب وهم يحملون شهادات، لكنهم يفتقرون إلى المهارات التي يتطلبها سوق العمل الحديث. والنتيجة هي اتساع الفجوة بين التعليم والتنمية، وبين الجامعة والإنتاج، وبين المعرفة النظرية والابتكار العملي. وكأن المجتمع يكرر أنماطًا قديمة دون أن ينتبه إلى أن العالم قد تغير جذريًا.
أما الاقتصاد، فهو مثال آخر على الحاجة إلى اليقظة. فتعتمد بعض الدول العربية بصورة كبيرة على الموارد الطبيعية، بينما لا تزال مساهمة الاقتصاد المعرفي والصناعات المتقدمة محدودة مقارنة بالدول الرائدة. وفي عالم يتجه نحو الرقمنة والابتكار، لم يعد امتلاك الموارد وحده كافيًا لتحقيق الازدهار، بل أصبحت الثروة الحقيقية هي الإنسان المتعلم، والمؤسسات الكفؤة، والقدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.
ومن الجوانب التي تستحق التأمل أيضًا علاقة الإنسان العربي بالزمن. فكثيرًا ما يُستحضر الماضي بوصفه ملاذًا نفسيًا ومصدرًا للفخر، وهو أمر مشروع عندما يكون باعثًا على الثقة والإلهام، لكنه قد يصبح عائقًا إذا تحول إلى بديل عن العمل في الحاضر والتخطيط للمستقبل. فالحضارات لا تعيش على أمجادها السابقة، وإنما تتجدد باستمرار. وليس المهم أن نتحدث عن إنجازات الأجداد، بل أن نسأل: ماذا سنضيف نحن إلى سجل الحضارة الإنسانية؟
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فهناك في العالم العربي مبادرات واعدة في ريادة الأعمال، والتعليم، والبحث العلمي، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، كما برزت جامعات ومراكز أبحاث وشركات ناشئة تحقق نجاحات ملحوظة. وهناك جيل جديد يمتلك مهارات رقمية عالية، ويتواصل مع العالم بلغاته المختلفة، ويسعى إلى الابتكار والمنافسة. وهذه المؤشرات تدل على أن اليقظة ممكنة، وأن المستقبل ليس محكومًا بالماضي.
إن “الموت” في عبارة ابن عربي يمكن أن يُفهم، على سبيل المجاز، بوصفه نهاية مرحلة وبداية أخرى، أو موت الأوهام قبل موت الأجساد. فالأمم أيضًا تحتاج إلى أن تموت فيها الأفكار التي تعيق تقدمها: يموت التعصب لتحيا المواطنة، ويموت الفساد لتحيا النزاهة، وتموت ثقافة الاتكال لتحيا ثقافة المبادرة، ويموت الخوف من الاختلاف ليزدهر الحوار والإبداع. وهذه اليقظة لا تأتي فجأة، بل هي ثمرة إصلاح طويل يبدأ بالفرد، ويمتد إلى الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومؤسسات الدولة.
ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذه الحكمة هو أن الوعي الحقيقي لا ينتظر اللحظة الأخيرة. فالفرد الحكيم هو الذي يراجع نفسه قبل أن يفوته الأوان، وكذلك المجتمع الناجح هو الذي يكتشف أخطاءه ويعالجها وهو في مرحلة القوة، لا بعد أن تتحول إلى أزمات مزمنة. واليوم يقف العالم العربي أمام تحديات كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تحمل فرصًا غير مسبوقة إذا أحسن استثمار موارده البشرية والطبيعية، وأطلق طاقات الشباب، ورسخ ثقافة العلم والعمل.
إن اليقظة التي نحتاجها ليست يقظة سياسية فقط، ولا اقتصادية فقط، ولا ثقافية فقط، بل هي يقظة شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتجعل الإنسان محور التنمية، والعلم أساس النهضة، والأخلاق سند الحكم الرشيد. وعندئذ فقط يمكن أن تتحول مقولة “الناس نيام” من وصف لحال الغفلة إلى دعوة دائمة للاستيقاظ، لا انتظارًا للموت، بل اختيارًا للحياة الواعية، حيث تبني الأمم مستقبلها بعيون مفتوحة، وعقول ناقدة، وإرادة تؤمن بأن النهضة تبدأ عندما نستيقظ من أوهامنا، قبل أن يفرض علينا الزمن صحوةً متأخرة.هذا المحتوى ابن عربي: إذا متنا انتبهنا!!! ظهر أولاً في سواليف.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سواليف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سواليف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




