دخلت ظاهرة «إل نينيو» مرحلة تصاعدية، وسط تحذيرات منظمات ومراكز الأرصاد الدولية من احتمال تحولها إلى واحدة من أقوى الظواهر المسجلة خلال خريف وشتاء 2026-2027، وهو تطور يضع المغرب أمام موسم مناخي قد يتسم بقدر أكبر من التقلبات، خصوصاً على مستوى درجات الحرارة والتساقطات.
وتشير أحدث معطيات المركز الأمريكي للتنبؤات المناخية إلى تجاوز احتمال بلوغ «إل نينيو» مستوى قوياً جداً نسبة 90 في المائة خلال خريف وشتاء النصف الشمالي من الكرة الأرضية، مع تسجيل مؤشرات متزايدة على قوة الظاهرة في المحيط الهادئ الاستوائي. كما يقدّر المركز احتمال وصولها خلال أكتوبر-ديسمبر إلى مستوى تاريخي يفوق قوة الأحداث المسجلة منذ عام 1950 بنسبة 69 في المائة.
وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن «إل نينيو» يواصل التعزز، وأن تأثيره سيظهر على أنماط الحرارة والأمطار في مناطق مختلفة من العالم. وتتوقع المنظمة استمرار قوة الظاهرة خلال الفترة الممتدة من غشت إلى أكتوبر، مع ارتفاع احتمال تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات في مناطق واسعة من العالم وتغيرات ملحوظة في أنظمة التساقطات.
ولا يعني ذلك أن المغرب مقبل بالضرورة على الجفاف، كما أن قوة «إل نينيو» لا تسمح وحدها بتحديد حصيلة الأمطار التي ستعرفها المملكة. فالتأثيرات المناخية للظاهرة تختلف من منطقة إلى أخرى، وتتداخل مع عوامل أخرى في الغلاف الجوي والمحيطات، ما يجعل التوقعات الخاصة بالمغرب أكثر تعقيداً.
غير أن أهمية التطورات الحالية بالنسبة للمملكة ترتبط أساساً بحساسية الاقتصاد المغربي للتساقطات المطرية، ولا سيما في المجال الزراعي. فالزراعة البعلية تظل مرتبطة بشكل كبير بانتظام الأمطار وتوزيعها خلال الموسم، ما يجعل أي اضطراب في توقيتها أو كمياتها عاملاً مؤثراً في إنتاج الحبوب والمحاصيل الأخرى.
وتزداد أهمية هذا العامل بعد سنوات من الإجهاد المائي والجفاف التي أثرت على الموارد المائية والفلاحة. ورغم التحسن الذي عرفته الوضعية المائية بفعل التساقطات الأخيرة، فإن عودة التقلبات المناخية تظل تحدياً قائماً، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة.
ولا تقتصر المخاطر المحتملة على نقص الأمطار. فالمشهد المناخي الجديد قد يجمع بين فترات حارة وجافة وأخرى تعرف تساقطات قوية خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما يرفع بدوره مخاطر الفيضانات والسيول والانجرافات، ويضع البنيات التحتية والموارد الزراعية أمام اختبارات إضافية.
وتحذر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن «إل نينيو» لا يعمل بمعزل عن بقية العوامل المناخية، إذ يمكن لتزامنه مع ظواهر أخرى، مثل التذبذب الإيجابي لثنائي قطب المحيط الهندي، أن يزيد من حدة بعض التأثيرات الإقليمية، بما فيها مخاطر الجفاف والفيضانات والحرائق في مناطق مختلفة.
وفي الحالة المغربية، يجعل ذلك من توزيع الأمطار وتوقيتها أكثر أهمية من الكمية الإجمالية وحدها. فقد يكون موسم ممطر في مجمله، لكنه لا يحقق بالضرورة الفائدة الزراعية والمائية المطلوبة إذا تركزت التساقطات في فترات قصيرة أو تزامنت مع ظروف لا تساعد على استغلالها.
ويظل القطاع الفلاحي في مقدمة القطاعات المعرضة لهذه التقلبات، خصوصاً زراعة الحبوب التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار. لذلك فإن أي تأخر في بداية الموسم أو فترات طويلة من الجفاف خلال المراحل الحساسة للنمو قد تكون له انعكاسات مباشرة على المردودية.
في المقابل، تمثل مشاريع تحلية مياه البحر وربط الأحواض المائية ونقل المياه بين المناطق أدوات مهمة لتقليص الضغط على الموارد التقليدية، خصوصاً بالنسبة إلى مياه الشرب. غير أن هذه الاستثمارات لا تلغي ارتباط جزء كبير من النشاط الزراعي بالتساقطات، ما يجعل تدبير المخاطر المناخية في القطاع الفلاحي أكثر إلحاحاً.
وتأتي هذه التطورات في سياق مناخي عالمي أكثر دفئاً، إذ تشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي يزيد من احتمالات بروز بعض الظواهر المتطرفة، فيما تعمل «إل نينيو» على إعادة توزيع الحرارة والرطوبة والأمطار عبر مناطق مختلفة من العالم.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب متابعة دقيقة للتوقعات الموسمية والمؤشرات المحلية، خصوصاً مع اقتراب الخريف ودخول الموسم الفلاحي. فالتحدي لن يكون فقط في معرفة ما إذا كانت الأمطار ستتساقط، وإنما في رصد توقيتها وتوزيعها وشدتها، والاستعداد في الوقت نفسه لاحتمالات الأمطار الغزيرة والفيضانات وموجات الحرارة.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يمكن اعتبار «إل نينيو» حكماً مسبقاً على الموسم الفلاحي المغربي، لكنه يمثل عامل عدم يقين إضافياً في مرحلة لا يزال فيها المغرب يعالج آثار سنوات الجفاف ويعمل على تعزيز أمنه المائي.
والثابت أن العالم يتجه نحو موسم مناخي شديد الحساسية، والمغرب ليس بمنأى عن تداعياته. وبين مخاطر نقص الأمطار من جهة، والأمطار الغزيرة والحرارة والفيضانات من جهة أخرى، يبدو أن الاستعداد المبكر والاعتماد على الإنذار المناخي الدقيق أصبحا ضرورة، وليس مجرد خيار.


