... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
201254 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7121 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

عندما يصبح النفط..أغلى من الدم..!*

اقتصاد
أمد للإعلام
2026/04/17 - 11:27 501 مشاهدة

في زمن تتساقط فيه الصواريخ على المدن وتُغتال القيادات في وضح النهار، يبقى برميل النفط وحده هو المقدس الذي لا يُمس.هكذا فضحت الحرب على إيران وجه العالم الحقيقي: حيث تنساب الدماء بلا حساب،وتُعلق أنفاس البشر على مزاد الأسواق. بين موت لا يثير ضجة،ونفط يحرك الجيوش، نكتشف أن الإنسان لم يعد سوى هامش في معادلة لا تعرف سوى لغة البراميل والأرباح.وفي النهاية،ينتصر الخام على الروح، وتتقاسم القوى الكبرى الغنيمة،بينما تدفع الشعوب الثمن مرتين: مرة بالدم،ومرة بالإهانة.

 

 

في خضم حرب ضروس تدور رحاها على إيران، حيث تتساقط الصواريخ وتُغتال القيادات وتُدمر البنى التحتية،يأتي الموقف الأمريكي ليضع النقاط على الحروف،أو بالأحرى ليضعها فوق براميل النفط.لم يطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الدولة العبرية وقف الاغتيالات التي تستهدف القيادات السياسية في إيران،ولا حتى وقف ضرب البنى التحتية المدنية،بل اقتصر طلبه على نقطة محددة وجوهرية: عدم استهداف المنشآت النفطية.

هذا الطلب،الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد توجيه عسكري عابر،يكشف في حقيقته عن البوصلة الحقيقية التي تحكم القرار الدولي،حيث يتقدم النفط على الإنسان،وتصبح معادلات السوق هي الفيصل في تحديد سقف التصعيد المسموح به.

-النفط..خط أحمر في سماء الحرب:

ما جرى في الأيام الأخيرة يؤكد هذه المقولة بجلاء لا يقبل التأويل.فبعد أن نفذ سلاح الجو الإسرائيلي ضربة على حقل "بارس الجنوبي" ومنشآت عسلوية للغاز،من دون علم مسبق من الإدارة الأمريكية،تحركت واشنطن سريعا لإعادة ترتيب الأولويات.فالرئيس ترامب،الذي لم يُبدِ اعتراضا على اغتيال قيادات الصف الأول في إيران،تدخّل شخصيا ليطلب من نتنياهو الامتناع عن استهداف منشآت الطاقة في المستقبل. والأهم من ذلك،أن رئيس الوزراء الإسرائيلي استجاب فورا،معلنا أن إسرائيل "ستتجاوب مع طلب ترامب".!

هذا المشهد يحمل دلالات عميقة.فإسرائيل التي تقود حربا وجودية ضد إيران،وجدت نفسها مضطرة لكبح جماح آلة حربها،ليس لأن واشنطن اختلفت معها في الهدف الاستراتيجي،بل لأن الوسيلة-أي ضرب منشآت الطاقة-تمس مصلحة أمريكية حيوية.وكما نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول في البيت الأبيض: "إسرائيل لا تكره الفوضى.نحن نكرهها.نحن نريد الاستقرار" . والاستقرار هنا يعني استقرار أسواق النفط العالمية أولا وقبل أي شيء آخر.

-النفط الروسي والإيراني.. براغماتية السوق:

لإدراك عمق هذه الرؤية،يكفي النظر إلى سلوك واشنطن على جبهات أخرى.ففي الوقت الذي تشن فيه الولايات المتحدة حربا بالوكالة على إيران، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية رخصة عامة جديدة تسمح بتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية المنشأ المحملة على ناقلات.روسيا،التي تخوض حربها الخاصة في أوكرانيا،تجد طريق نفطها إلى الأسواق مفتوحا مؤقتا بموافقة أمريكية،لمجرد أن الأسعار العالمية تحتاج إلى مزيد من الإمدادات.بل إن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ذهب إلى أبعد من ذلك، معلنا أن الولايات المتحدة "قد ترفع قريبا العقوبات عن النفط الإيراني العالق على متن ناقلات النفط للمساعدة في زيادة الإمدادات العالمية وخفض الأسعار".وهو ما وصفه الوزير بعبارة تكاد تكون صادمة في صراحتها: "سنستخدم النفط الإيراني ضد الإيرانيين للحفاظ على انخفاض الأسعار" .

هنا تكتمل الصورة.النفط الإيراني نفسه،الذي تشن الحرب بحجة منع وصول عوائده إلى البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية،يصبح مباحا للتداول حين تحتاج السوق الأمريكية إلى مزيد من البراميل لخفض الأسعار.إنها براغماتية لا تعترف بالأعداء والأصدقاء بقدر ما تعترف بمعادلات العرض والطلب.

الانعكاسات الإقليمية لهذه المعادلة لا تقل خطورة. فدول الخليج،التي تجد نفسها في مرمى النيران بشكل أو بآخر،تدرك جيدا أن استهداف منشآتها النفطية يعني تجاوز الخط الأحمر الذي لا رجعة بعده.ولذلك،تحاول هذه الدول التمسك بالحياد مع الجاهزية العسكرية الكاملة،مدركة أن الدخول في الحرب يعني تحويل صادراتها النفطية إلى أهداف مشروعة في معادلة الصراع الدائر .

لكن الإشكالية الأكبر أن طهران،التي تتلقى الضربات الموجعة،تهدد صراحة باستهداف البنى التحتية للطاقة في دول الخليج إن استمر استهداف منشآتها.وقد دفع هذا التهديد إلى إخلاء بعض العاملين في منشآت الطاقة الخليجية، تحسبا لضربات قد تشعل المنطقة بأسرها .

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ بين القلق الأمريكي على منشآت النفط الإيرانية،والتساهل المطلق إزاء اغتيال القيادات وسقوط الضحايا المدنيين؟!

هل هناك تفسير أخلاقي لهذه المعادلة التي تضع برميل النفط فوق كرامة الإنسان وحياته؟!

الجواب،للأسف،أن المعادلة ليست أخلاقية بل واقعية بحتة.فاغتيال قيادات سياسية أو عسكرية،مهما كانت مكانتها،لا يؤثر على أسعار الوقود في المحطات الأمريكية.أما استهداف منشآت نفطية إيرانية،فقد يعني اندلاع حريق هائل في أسواق الطاقة العالمية،يصعب إخماده بسهولة.وفي النهاية،فإن الإدارة الأمريكية،مثلها مثل أي إدارة في عالم اليوم،تحكمها مصالح ناخبيها الذين يهتمون بأسعار البنزين أكثر من اهتمامهم بمصير قيادات إيرانية أو حتى إسرائيلية.

-عندما يصبح الإنسان هامشا:

في هذه الحرب،كما في حروب كثيرة سبقتها، ينتصر النفط على الإنسان.ينتصر على أحلامه، على آماله،على دمائه التي تُراق كل يوم.ينتصر لأن العالم الحديث لا يزال يدور على محور من البترول،ولأن قرار الحرب والسلم بات مرتبطا بأسعار البرميل أكثر من ارتباطه بقيم العدالة أو الحق في الحياة.

والولايات المتحدة التي تقود هذه الحرب،وتسمح باغتيال القيادات،وتضرب البنى التحتية،وتدمر المدن،تقف فجأة عند عتبة المنشآت النفطية وكأنها جدار مقدس لا يمكن تجاوزه.وفي هذا الموقف تحديدا تتجلى سخافة المشهد الإنساني: يمكن قتل الإنسان،ولكن لا يمكن المساس بما يحرك آلة قتله.

تلك هي معضلة عالمنا المعاصر: نفط يُحرق ليدفئنا،ونفط يُقدس ليحرقنا.وبين الحرق والتقديس،يظل الإنسان هو الثمن الذي يُدفع مرتين: مرة حين يُقتل،ومرة حين يكتشف أن قاتله لم يكن يكرهه بقدر ما كان يخاف على براميله.

وفي معادلات القوة الدولية،يظل النفط هو السيد الذي لا يُهان،والخط الأحمر الذي لا يُعبَر.وبينما تُسفك الدماء بلا حسيب،وتُغتال القيادات في وضح النهار،يبقى الخام مقدسا لا يُمس.! إنها الحقيقة العارية التي تفضح زيف الخطابات الإنسانية،وتؤكد أن عالم اليوم لا تدار فيه الحروب دفاعا عن قيم،بل لحماية أنابيب لا تعرف سوى لغة البراميل والأرباح. 

وفي النهاية،ينتصر برميل النفط على إنسانية الإنسان،لتظل الشعوب تدفع الثمن بينما تتقاسم القوى الكبرى الغنيمة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤