عناق السياسة مع الأخلاق
صباحا، بين رشفة قهوة وأخرى، بينما أتصفح عناوين الأخبار التي تتزاحم على شاشتي، يراودني شعور غريب، شعور بالتيه. لا تيه الجغرافيا، بل تيه القيم. أسأل نفسي دائماً: هل يمكن لـ “السياسي” أن يظل “إنساناً” بالكامل حين يرتدي بدلة السلطة؟ أم أن هناك ضريبة خفية تدفع من رصيد الضمير مقابل كل مقعد يُحتل؟
هذه ليست أسئلة فلسفية جوفاء نطرحها في أروقة الجامعات فقط، بل هي نبض يومي يعيشه الشارع. العلاقة بين السياسة والأخلاق هي أقدم “قصة حب عذرية” في تاريخ البشر، جميعنا نرغب في حدوثها، لكن الواقع غالباً ما يحول دون اكتمالها.
رقصة المصالح والقيم
تقليدياً، كنا نسمع مقولة ماكيافيلي المأثورة بأن “الغاية تبرر الوسيلة”. كانت هذه الجملة هي السور الفاصل الذي يحتمي به الساسة حين تضيق بهم الأخلاق. لكن في القرن الواحد والعشرين، تغيرت المعادلة. لم يعد السور واضحاً، بل تحول إلى ضباب كثيف.
اليوم، لم تعد السياسة مجرد إدارة للشؤون العامة بين جدران البرلمانات، بل أصبحت “سردية” تُباع وتُشترى في أسواق التواصل الاجتماعي. وهنا تكمن المفارقة الأولى في عصرنا: الأخلاق أصبحت “علامة تجارية”.
نرى قادة يرفعون شعارات حقوق الإنسان وهم يوقعون صفقات سلاح، ونرى أحزاباً تتغنى بالشفافية بينما تخفي بياناتها خلف خوارزميات معقدة. الحد الفاصل بين السياسة والأخلاق في زمننا لم يعد يُرسم بالمبادئ، بل يُرسم بـ “الرأي العام اللحظي”. السياسي لا يتساءل “هل هذا الفعل أخلاقي؟”، بل يسأل “هل سيغضب هذا الفعل ناخبيّ على ؟”.
حدود المعطى في عصر الخوارزميات
إذا توقفنا قليلاً لنرسم حدود هذه العلاقة في قرننا الحالي، سنجد أن الحدود قد انزاحت بشكل خطير.
في الماضي، كان الكذب السياسي يحتاج إلى جهد، أما اليوم، فـ “ما بعد الحقيقة” هو سيد الموقف. الحد الأخلاقي الأول الذي تآكل هو “الصدق”. لم يعد الكذب عيباً يُستحى منه، بل أصبح “إدارة للأزمات”. فعندما تُختزل الأخلاق إلى مجرد “تصريح إعلامي”، نفقد البوصلة.
لكن، هل يعني هذا أن السياسة يجب أن تكون خالية من الأخلاق تماماً؟ هنا يجب أن نقف بحزم. هناك حدود لا يجوز تجاوزها، حتى في أقسى معادلات “الواقعية السياسية”. الحد الأول هو الكرامة الإنسانية. لا يجوز لأي مصلحة قومية أو اقتصادية أن تسوغ انتهاكاً صريحاً لكرامة إنسان، بغض النظر عن جنسيته أو لونه. الحد الثاني هو المسؤولية تجاه المستقبل. السياسة التي تستنزف موارد الأجيال القادمة أو تدمر بيئتهم من أجل مكسب انتخابي آني، هي سياسة لا أخلاقية بامتياز، حتى لو كانت “قانونية”.
في القرن الحادي والعشرين، حيث التهديدات الوجودية كالتغير المناخي والذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية، لم تعد الأخلاق رفاهية، بل أصبحت شرطاً للبقاء. سياسة بلا أخلاق في عصرنا هي انتحار جماعي مقنّع.
البحث عن الإنسان خلف القناع
أنا لا أبحث عن “قديسين” في الحكم، فالسياسة فن الممكن، وتتطلب أحياناً مساومات صعبة. لكنني أبحث عن “إنسان” لا ينسى نبضه حين يمسك بالسلطة. أبحث عن ذلك الحد الأدنى من الحياء الذي يمنع القائد من النوم قرير العين بينما جوعى يتألمون في بلده.
الجاذبية الحقيقية للسياسي في عصرنا لا تكمن في خطبه الرنانة، بل في تلك اللحظة الصامتة التي يقرر فيها أن يخسر شعبيةً رخيصةً مقابل كسب مبدأ غالي.
الأخلاق تبدأ من الأسفل
ربما نكون قاسين حين نطلب من الساسة وحدهم حمل لواء الأخلاق. فالسياسيون هم مرآة لمجتمعاتهم. إذا كنا نحن كجمهور نكافئ الكاذب بصوتنا، ونحتفي بالمستفز، ونغض الطرف عن الفاسد طالما أنه “ينتمي لفئتنا”، فإننا نشارك في تآكل هذا الحد الفاصل.
العلاقة بين السياسة والأخلاق في زمننا ليست علاقة عمودية (من الحاكم إلى المحكوم)، بل هي علاقة دائرية. الأخلاق في السياسة لا تزدهر إلا في تربة أخلاقية في المجتمع.
في النهاية، أؤمن أن هناك ضوءاً خافتاً في نهاية النفق. نراه حين يرفض موظف بسيط الرشوة، وحين تصوت امرأة لبرنامج وليس لشعار، وحين يقرر شاب أن الحقيقة أغلى من الإعجابات. السياسة قد تكون قذرة أحياناً، لكن الأخلاق هي الماء الذي يغسلها. وبدون هذا الماء، سنغرق جميعاً في وحل المصالح، ولن يبقى من وطننا سوى أسماء على خرائط، وقلوب فارغة من المعنى.
لنحافظ على تلك “الحافة الرفيعة”، فهي المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يقف عليه شامخاً، دون أن يبيع روحه، ودون أن يهرب من واقعه.
-باحث في العلوم السياسية
The post عناق السياسة مع الأخلاق appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
