الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
ليست الجغرافيا دائمًا مجرد مكان تقيم فيه الدول؛ ففي بعض البلدان تصبح قدرًا من التاريخ، وبوابةً للاقتصاد، وجزءًا من السياسة.
ولعل سلطنة عُمان وتركيا من أبرز النماذج على ذلك؛ فعُمان تقف في أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، بسواحل ممتدة على بحر العرب وبحر عُمان، وإطلالة استراتيجية على مضيق هرمز، وانفتاح على المحيط الهندي وطرقه البحرية، وفي الجهة الأخرى، تمتد تركيا عند ملتقى آسيا وأوروبا، بين البحر الأسود وبحر إيجة والبحر المتوسط، وتحتضن مضائق تصل البحر الأسود بالمتوسط ومنه إلى البحار المفتوحة.
وبين مسقط وأنقرة، على تباعد المسافة، تشابه لافت في أثر الجغرافيا؛ دولتان بحريتان تقفان عند ملتقى طرق وممرات، وتطلان من موقعيهما على فضاءات اقتصادية وحضارية متعددة. ولهذا لم تكن الجغرافيا عندهما عائقًا يفصل، بقدر ما كانت تاريخيًا بابًا للتجارة والتواصل والانفتاح.
ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقات العُمانية التركية اليوم؛ فحين تلتقي عُمان بموقعها المنفتح على الخليج والمحيط الهندي وأسواق آسيا وشرق أفريقيا، مع تركيا بموقعها الواصل بين آسيا وأوروبا، تصبح الجغرافيا نفسها فرصة لمزيد من التجارة والاستثمار والربط اللوجستي والانفتاح على أسواق أوسع.
وفي هذا السياق، يأتي اللقاء الذي جمع في مسقط سعادة الشيخ خليفة بن علي الحارثي، وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، بسعادة السفير موسى كولاكليكايا، نائب وزير خارجية الجمهورية التركية الصديقة، امتدادًا لمسار من العلاقات المتنامية بين البلدين، تجاوز نصف قرن منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1973، ويتجه اليوم نحو مزيد من التشاور وتوسيع مجالات التعاون والشراكة.
واكتسب هذا المسار زخمًا أكبر مع زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى الجمهورية التركية في نوفمبر 2024، وهي محطة بارزة في مسيرة العلاقات بين البلدين، ثم جاءت زيارة فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى سلطنة عُمان في أكتوبر 2025 لتواصل هذا الزخم، وتؤكد حرص قيادتي البلدين على الارتقاء بالعلاقات وفتح آفاق أوسع أمام التعاون والشراكة.
ولم يبقَ هذا التقارب عند مستوى الزيارات، بل أخذ يتجه نحو مزيد من العمل المؤسسي، من خلال الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وإنشاء المجلس التنسيقي العُماني التركي، إلى جانب آليات التعاون القائمة بين البلدين، بما يوفر إطارًا أكثر انتظامًا لمتابعة التعاون وتحويل الإرادة السياسية إلى مصالح وفرص وشراكات مستدامة.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم سمات المرحلة الحالية من العلاقات بين مسقط وأنقرة: الانتقال من تراكم الصداقة إلى مأسسة الشراكة.
ويبدو الاقتصاد أحد أكثر المجالات المرشحة للاستفادة من هذا المسار؛ فتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتجارية متنوعة، فيما تمضي سلطنة عُمان في مسار التنويع الاقتصادي وتطوير قطاعاتها الاستثمارية واللوجستية والانفتاح على الشراكات الدولية. وبين الموقع العُماني والإمكانات التركية تتسع فرص التعاون في التجارة والاستثمار والصناعة والتقنية والسياحة والأمن الغذائي وغيرها من المجالات.
لكن أهمية العلاقة لا تتوقف عند الاقتصاد.
فانتظام المشاورات واللقاءات السياسية يعكس بدوره اتساع مساحة الحوار بين مسقط وأنقرة في مرحلة إقليمية ودولية كثيرة التحولات. وفي عالم تتكاثر فيه الأزمات وتتراجع فيه مساحات التفاهم، تصبح المحافظة على قنوات الحوار والتشاور قيمة سياسية في حد ذاتها.
فسلطنة عُمان راكمت تجربة دبلوماسية تقوم على الحوار والاعتدال وبناء الجسور والمحافظة على علاقات متوازنة، فيما تمتلك تركيا حضورًا سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا واسعًا وصلات متعددة بمحيطها الإقليمي والدولي.
وتزداد العلاقات بين البلدين رسوخًا مع اتساع مساحات التشاور والتفاهم، وتنامي المصالح المشتركة، بما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون ويعزز إسهامهما في دعم الحوار والاستقرار في المنطقة.
ومن هنا ينسجم تنامي العلاقات العُمانية التركية مع نهج سلطنة عُمان في تنويع شراكاتها وبناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فيما تمثل عُمان بما تتمتع به من موقع استراتيجي واستقرار وانفتاح اقتصادي شريكًا يحمل فرصًا متعددة للتعاون مع تركيا.
وبعد أكثر من نصف قرن من العلاقات، لم يعد السؤال بين مسقط وأنقرة كيف تُبنى الصداقة، فقد ترسخت عبر السنوات، وإنما كيف تتحول الثقة المتراكمة وميزات الجغرافيا إلى مزيد من المصالح والفرص والشراكات.
وهكذا تمضي مسقط وأنقرة، على قاعدة من الثقة المتراكمة والمصالح المشتركة، نحو شراكة أكثر رسوخًا وآفاق أرحب للتعاون.



