علي رضا سعيد يطلق صرخته الفنية بالابيض والاسود
علي إبراهـيم الدليمي
أطلق الفنان العراقي علي رضا، المقيم في تونس، صرخته الفنية الجديدة من خلال معرضه الشخصي “أسود وأبيض”، الذي يحتضنه “رواق مقام” في المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بتونس، خلال الفترة الممتدة من 24 أبريل الجاري وحتى 15 مايو المقبل.
يضم المعرض أكثر من خمسين عملاً منفذاً بالحبر الأسود على الورق. ويأتي ليتوج تجربة فنية ممتدة، يختزل فيها رضا عالمه الإبداعي في ثنائية الأسود والأبيض، تلك التقنية التي التصقت بوجدانه الفني منذ بداياته الأولى كرسام في جريدة “الجمهورية” البغدادية أواخر السبعينيات. وعبر عقود من الترحال والبحث الجمالي، ظل الحبر الأسود بالنسبة له ليس مجرد مادة لونية، بل حالة نفسية وملاذا تعبيريا يستنطق من خلاله بياض الورق، محولا الخطوط والمساحات إلى مرايا تعكس فلسفة الوجود وقلق الكائن الإنساني.
في “أسود وأبيض”، يقدم علي رضا اشتغالات معاصرة تتجاوز حدود التقنية التقليدية، لتؤكد أن اللون في فنه هو “فكرة” قبل أن يكون صبغة، وأن الظلال التي ينسجها بحبره هي الأكثر قدرة على كشف الضوء الكامن في الذاكرة العراقية الممتزجة بنسمات تونس الخضراء.
تُقدم أعمال الفنان علي رضا سعيد في معرضه الأخير “أسود وأبيض” تجربة بصرية مغرقة في الرمزية، حيث يتجاوز الثنائي اللوني التقليدي ليجعله فضاءً فلسفيا يبحث في ثنائيات الوجود: الظل والضوء، الفراغ والكتلة، والذات والآخر. يمكن قراءة هذه التجربة من خلال عدة مرتكزات أكاديمية.
ويلاحظ في مجمل الأعمال تكرار رمزي لغرضين متناقضين، الشبكة تظهر الخطوط المتقاطعة كقيد أو كإطار هندسي صارم يوحي بالعزلة أو المنظومة التي تحاصر الكائن البشري. والشجرة/ العنصر العضوي، في مقابل الشبكة، تبرز الأشكال الدائرية والأشجار المزخرفة بنقوش تشبه الخلايا أو الأهلة، وهي تمثل الجانب الروحي أو الطبيعي الذي يحاول الانعتاق من صرامة الخطوط المستقيمة.
يتحدث الفنان علي رضا عن تجربته/ معرضه هذا، قائلا: “أعمالي لا تسعى إلى وصف العالم بقدر ما تحاول الإصغاء إليه، كل لوحة محاولة لالتقاط أثر داخلي، لحظة عابرة، ذكرى، أو إحساس يتشكل بين الامتلاء والفراغ، حيث يصبح البياض جزءا من الحكاية لا خلفية لها. في عدد من هذه الأعمال تتجسد علاقة الإنسان بالطبيعة بوصفها مسارا بصريا متدرجا؛ من اقتراب أول بين الجسد والشجرة، إلى تشابك تتداخل فيه الخطوط والكتل، وصولا إلى اندماج تصبح فيه الأجساد امتدادا للجذوع، وتغدو الطبيعة صورة أخرى للذات. إنها رحلة بحث عن الجذر وعن مكان الإنسان داخل إيقاع الكون”.
ويشرح “أعمل على بناء اللوحة من هيكل خطي أولي، ثم أعود لأغمره بطبقات الحبر، فتتشكل التونات المتناغمة بين الأسود الكثيف والرمادي الشفيف. هذه الطبقات هي معالجة بصرية وكذلك هي تراكم إحساسي وزمني يكشف في كل مرة بعدا جديدا. فالظل عندي ليس عتمة، إنما عمق، والنور فسحة تأمل، ويلعب الخط الحر دورا محوريا في هذه الأعمال. هذا المعرض رحلة في عوالم الظل والضوء وفي الحكايات التي لا تروى بالكلمات. هي دعوة للمتلقي أن يتجاوز الشكل الظاهر، وأن ينصت إلى أثر الحبر وهو يترك على الورق ذاكرته”.
The post علي رضا سعيد يطلق صرخته الفنية بالابيض والاسود appeared first on جريدة المدى.





